هل الوضع برمته سلبي؟
على الرغم من وجود الكثير من الأوضاع التي تستدعي القلق، فإنه سيكون من غير الصواب أن ننظر إلى الشيخوخة في الريف على أنها اتجاه سلبي في مجمله. ففي بعض الأوضاع، قد يوفر هذا الوضع فرصاً لا تقدر بثمن لإحداث تغيرات إيجابية، مثل تغيير الهياكل الاقتصادية الاجتماعية بالريف إلى هياكل جديدة أكثر تدعيماً للتنمية المستدامة. وفضلاً عن ذلك، فإن الفكرة النمطية السائدة التي تعتبر كبار السن بمثابة عبء أو قيد ينوء بحمله نموذج التنمية إنما هي فكرة قاصرة، وتفتقر إلى الدقة، ولابد من إعادة النظر فيها. فهناك منافع عديدة للشيخوخة عادة ما لا يتم إدراكها، مثل الكم الهائل من الخبرات والمهارات التي يجلبها كبار السن إلى موقع العمل، والحياة العامة، والأسرة. ومن الممكن الاستفادة من أوجه التقدم التكنولوجي والسبل الجديدة لتنظيم المجتمع من أجل تحقيق الاستفادة المثلى التي تهدف إلى زيادة مشاركة كبار السن في العمل، وإحداث التغيرات الاجتماعية الاقتصادية الملائمة في المناطق الريفية.
التأثيرات الإيجابية لشيخوخة السكان
- في آسيا وأمريكا اللاتينية، يتوقع أن يخفف الانحدار الكبير المنظور في أعداد الشباب، فضلاً عن تثبيت أعداد البالغين، من الضغوط الديموغرافية الحالية على الأراضي.
- هناك بعض البلدان الآسيوية التي تشهد بالفعل ارتفاعاً ملحوظاً في شيخوخة السكان في الريف، بيد أن الإنتاج الزراعي لم يتأثر فيها، بل على العكس، فإنه بسبب كبر حجم المزرعة ووفورات الحجم، فإن الإنتاج قد تحسن.
معدلات التبعية:بارقة أمل
من وجهة النظر التقليدية للتبعية، فإن أعداداً كبيرة من الشباب، أو الكبار، أو كليهما تميل إلى تحميل الاقتصاد أعباء ثقيلة، حيث أن الحاجات الاستهلاكية للأفراد "غير المنتجين" اقتصادياً بالمجتمع تقلص من القدرة على الادخار والاستثمار. ولمزيد من التبسيط، فإن وجود أعداد كبيرة من الشباب صغير السن أو الكبار الطاعن في السن هو أمر جد مكلف. غير أنه في العقود الأخيرة، لم تكن أهم التغييرات التي حدثت في الهياكل العمرية بالبلدان النامية هي زيادة أعداد كبار السن، بل كانت انخفاض أعداد الشباب. فظل حجم المجموعة العمرية من سن الميلاد وحتى سن الرابعة عشر في انخفاض مستمر بجميع المناطق النامية منذ عام 1970-1975، بينما كان الاتجاه المتمثل في شيخوخة السكان لا يزال في بدايته أو لا يزال متوقعاً في المستقبل.
هذا التحول غير المتكافئ -والمقصود به هو انخفاض أعداد الشباب قبل ارتفاع أعداد كبار السن- يمثل "بارقة أمل"، عندما يتم تخفيف العبء العام للمعالين عن كل شخص في الفئة العمرية النشطة. وستكون هناك فترة قصيرة سينخفض خلالها الإنفاق العام مقارنة بالإنتاج العام. وتفتح تلك المهلة الاقتصادية الباب أمام بعض الخيارات الجديدة. فلابد للبلدان النامية أن تستفيد من تلك الفترة للاستثمار في التنمية الاقتصادية، والتدريب، والتعليم.
وفي أغلب مراحل هذه النقلة السكانية، تكون هناك خيارات أمام صناع القرار فيما يتصل بالسبل التي يمكنهم من خلالها الاستجابة لهذه التغيرات السكانية المتوقعة. والتحدي الذي يواجهه المجتمع الدولي، والفرصة المتاحة أمام الجمعية العالمية الثانية للشيخوخة، هي التعريف بشكل أفضل بالاختيارات المتاحة أمامهم من بين الخيارات المحتملة والكثيرة، من أجل التوصل إلى نتيجة نافعة وحل يفيد المناطق الريفية. كما تعد هذه الفرصة أيضاً فرصة فريدة للاستفادة الإيجابية من إعادة الهيكلة الاجتماعية التي تتم والتي لا يمكن وقف عجلتها.
وفي سبيل تعزيز التقدم والأمن للناس من جميع الأعمار، فإنه ينبغي على البلدان الاستجابة القادرة للتحديات التي تفرضها الشيخوخة في الريف، ولابد لها من اغتنام الفرصة لإعادة التفكير في السياسات الزراعية وسياسات التنمية التي تنتهجها في الريف. وفي أغلب مراحل تلك النقلة الديموغرافية، يكون أمام صناع السياسات خيارات فيما يختص بالطرق التي يمكنهم بها الاستجابة للتغيرات، وستكون اختياراتهم من بين خيارات محتملة كثيرة سوف تحدد النتائج التي يتم الخروج بها. وهناك مجالات ترتفع فيها مكانة كبار السن وتتعاظم داخلها سلطتهم في صنع القرارات. في مثل تلك المناطق، تكون السياسات الموضوعة من أجل التعاون مع كبار السن بالغة الأهمية. غير أنه في جميع الحالات، لابد وأن يتوخى واضعو السياسات ومديرو البرامج الحذر ويرفعون من حساسيتهم تجاه قدرات كبار السن واحتياجاتهم. فإن فعلوا، فإنهم بهذا يضمنون اتخاذهم لقرارات أكثر حكمة.
وعلى سبيل المثال، فإنه يجب على السياسات العامة منح المهلات الضريبية وغيرها من الحوافز للأسر الريفية لتسهيل مهمتها في رعاية كبار السن من أفراد الأسرة. ولابد من إيلاء الدعم الخاص للنساء، اللاتي يعشن في المعتاد لسنوات أطول وبالتالي يعانين أكثر تحت وطأة الفقر، غير أنه في نفس الوقت تتاح لهن فرص أفضل من الرجال للمضي قدماً في العمل مع تقدمهن في العمر كمزارعات على نطاق ضيق وأراضي زراعية صغيرة، وكتاجرات، ومداويات من خلال ممارسة الطب الشعبي، ومقدمات للرعاية المنزلية. ومن المجدي تحويل تلك "الالتزامات" ونقاط الضعف إلى "أصول" ونقاط قوة، إذا ما زودت بأوجه الدعم والفرص الملائمة.
إطالة أمد فترة العمل والتعلم لتمتد طيلة الحياة
طالما كان يتم التوصية في البلدان المتقدمة على ضرورة السماح لكبار السن بالاستمرار في العمل بقدر ما يرغبون هم أنفسهم في ذلك أو يقدرون عليه. ويمكن أن يكون لذلك تأثير بالغ على دخولهم، وعلى عنصر العرض في سوق العمل، وعلى خطط المعاشات أو الضمان الاجتماعي. إلا أنه لا يمكن تصور حدوث نفس الشيء بالمناطق الريفية بالبلدان النامية. ففي المجالات التي تتطلب العمالة اليدوية الكثيفة، يمكن لذلك الاتجاه أن يكون غير عملي. أما في المناطق المبتلاة بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، كما هو الحال بالكثير من بقاع إفريقيا، يمكن لكبار السن أن يعملوا بالفعل لأطول فترة ممكنة وبأقصى ما أوتوا من جهد: كما أن العديد منهم ممن يرعون بأبناء بالغين مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، قد أرغموا على تولي مهام الإنتاج بالمزرعة، علاوة على تحولهم إلى آباء بديلين لأحفادهم. غير أنه في الحالات التي يمكن فيها لكبار السن العمل لفترات أطول، فإنه ينبغي عندئذ اتباع الاتجاهات التقنية والتنظيمية الداعمة والمبتكرة في مجالات العمل والتقاعد.
لم يتم بعد اختبار عملية التعلم الممتدة طيلة أمد الحياة على كبار السن في البيئات الريفية، وهو المنهج الذي تم اقتراحه للحفاظ على المهارات وتعزيزها في البلدان المتقدمة. ويتطلب مثل هذا المجهود تحول ضخم في سياسات الموارد البشرية، مثل برامج الإرشاد الزراعي، إلا أنها من الممكن أن تشكل القوة الدافعة للبدائل المبتكرة والخلاقة.
حيازة الأراضي، ونقل ملكية الأراضي، والشيخوخة
تستحق قضية التأثير المحتمل لشيخوخة السكان على حرمان البلاد من سكانها وحيازة الأراضي في حد ذاتها الدراسة. فهذه الأمور -فضلاً عن تأثيراتها على قضايا النوع- لا تزال غير مفهومة بالقدر الكافي. فلا تزال هناك حاجة إلى دراسة أكثر تفصيلاً بكثير، ترتبط على الأخص بدراسة الحاجة لتمويل الخدمات الخاصة بكبار السن الذين يعيشون بالمناطق الريفية الأكثر انعزالاً. فربما لا تتصدر تلك المناطق المهمشة قائمة أولويات التنمية الاجتماعية، إلا أنه من واجب الدول والأمم المتقدمة أن تتخذ الخطوات اللازمة لضمان ألا يتم تهميش المسنين في المناطق الريفية.
إن نقل ملكية الأراضي عبر الأجيال المختلفة قد تكون له تأثيرات بعيدة المدى على الإنتاج الغذائي، والأمن الغذائي، والتنمية. ويمكن لشيخوخة السكان أن تغير الطريقة -أو مرحلة الحياة- التي يتم بها نقل الملكية من جيل إلى جيل. ونظراً لأن أرباب الأسر وصاحبي الأملاك أصبحوا يعيشون لسنوات أطول، فإنه صارت هناك عدة احتمالات. فنظراً لطول حياة الآباء عن ذي قبل، فإن الأبناء البالغين قد يهاجرون إلى المناطق الحضرية. ومن ناحية أخرى، فإن صغر حجم الأسرة قد يعني عدداً أقل من الأبناء لاقتسام الميراث، وبالتالي تعزيز التزام أفراد الأسرة بأسلوب الحياة الريفي والزراعي. وحياة أبناء أكثر من جيل واحد سوياً قد يعني تعاون العديد من الأجيال سوياً.
ومن المهم تبين أن كبار السن يلعبون دوراً دينامياً في نقل ملكية الأراضي من جيل إلى آخر، خاصة في المجتمعات التقليدية. وحيثما يكون الانتفاع بالأراضي انتفاعاً عاماً (مشاعاً)، يمكن لصاحب الأرض وزملائه من كبار السن البت في شأنها. ومن الخطأ أن يتجاهل صناع السياسات دور كبار السن الذين من الممكن أن يحملوا العبء الأكبر في وضع استراتيجيات جديدة لضمان الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. إن إرساء دعائم سياسات بناءة تتعاون مع كبار السن هو أمر لا غنى عنه لضمان نقل ملكية الأراضي على نحو ملائم للزراعة والأمن الغذائي في المستقبل.
ولابد للخطوات التي تتخذ في وضع السياسات والاستراتيجيات التنموية مراعاة الفروق الشاسعة بين عملية كبر السن في العالم المتقدم والعالم النامي، ولابد لها تحديداً أن تتواءم مع الظروف المختلفة. ومن الأهمية بمكان أن يتم تطوير هذه الخطوات الإيجابية الهادفة إلى وضع السياسات، وأن يتم تنفيذها محلياً.
منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)
كلفت منظمة الأغذية والزراعة -الكائن مقرها في إيطاليا- برفع مستويات التغذية ومستويات المعيشة، من أجل تحسين الإنتاجية الزراعية وتحسين أوضاع السكان في الريف. ويعد كبر السن في الريف هو أحد أولويات المنظمة. وقد قامت الفاو بالعديد من الدراسات حول كبر السن في الريف وما يتصل به من تأثيرات. ويمكن إيجاد المقالات ذات الصلة على شبكة الإنترنت، على الموقع الآتي: www.fao.org/sd.
استند هذا المقال إلى معلومات مستمدة من منظمة الأغذية والزراعة
لمزيد من المعلومات، برجاء الاتصال بـ:
مارسيلا فيلاريال
البريد الإلكترونى: marcela.villarreal@fao.org
أو
إدارة شئون الإعلام بالأمم المتحدة
الهاتف: 0499-963-212
البريد الإلكترونى: mediainfo@un.org
|