العمل من أجل إنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب

تمثل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأطفال في حالات النزاع المسلح تحديا في غاية الصعوبة ‏للنظام القانوني الدولي. ويتصف الهيكل الأساسي المعياري لحماية الأطفال بالصلابة ‏والشمولية على حد سواء، كما أنه يحظى بتوافق آراء لم يسبق له مثيل بين الدول الأعضاء. ‏ومنذ بدء نفاذ البروتوكول الاختياري في عام 2002 لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك ‏الأطفال في النزاع المسلح، صادقت عليه 121 دولة عضو ولا يزال التصديق مستمرا. إلا أن ‏ما يتعارض مع هذا الأمر هو الواقع المروع المتمثل في تعرض الأطفال في حالات لا حصر لها ‏من النزاع المسلح لمعاملة وحشية بصورة روتينية وانتهاك معظم حقوقهم الأساسية. وبالتالي، ‏فمن المهم جدا بالنسبة للمجتمع الدولي أن يظل صامدا، ومصمما ومركّزا على كفالة ‏المساءلة ومكافحة الإفلات من العقاب على الانتهاكات الجسيمة.‏

وكما لوحظ سابقا، شهد المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة بعض المبادرات غير المسبوقة ‏للتصدي لظاهرة الإفلات من العقاب. وتعمل هذه الأمثلة بمثابة رادع قوي من خلال توجيه ‏تحذير إلى مرتكبي الانتهاكات. ومن الواضح أن المرتكبين يعون هذا الأمر. وفي عصر وسائط ‏الإعلام والمعلومات العالمية شاهد العالم أجمع إلقاء القبض على أفراد مثل توماس لوبانغا ‏وتشارلز تايلور وجان - بيير بيمبا، وعلى القادة وأمراء الحرب ومحاكمتهم. وهذه ‏الإجراءات التي تقوم بها آليات القضاء الدولي، وكذلك بعض المبادرات مثل قائمة الأمين ‏العام السنوية للمنتهكين وشواغل مجلس الأمن والتزاماته المعرب عنها في قراراته والترتيبات ‏المؤسسية الناشئة الرامية للتصدي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الطفل، تعمل بوصفها سلطة ‏تحمل الأطراف على الامتثال.‏

وفي السنوات العديدة الماضية، وافقت أطراف مثل القوات الجديدة وجماعات الميليشيا الموالية ‏للحكومة في كوت ديفوار، وجبهة تحرير السودان (فصيل ميناوي) في السودان، وجيش ‏إعادة الجمهورية والديمقراطية في جمهورية أفريقيا الوسطى، على أحكام محددة لحماية ‏الأطفال.

بيد أنه لا بد من الاعتراف بأن النجاحات التي أحرزناها في إحداث الامتثال حتى الآن ‏استندت إلى تهديد حقيقي للإجراءات التي تتخذها أطراف فاعلة دولية بما فيها مجلس الأمن. ‏ولا بد من بذل المزيد من الجهود لتنظيم وتفعيل المجموعة الكاملة من الخيارات المتاحة ‏للمجتمع الدولي لكفالة اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد المنتهكين المعاندين. وهناك، على ‏سبيل المثال، 16 شخصا يتمادون في الانتهاكات سمّاهم الأمين العام صراحةً وأدرج أسماءهم ‏على القائمة منذ 4 سنوات أو أكثر، وعدم اتخاذ إجراءات ضدهم يقوض المبادرات المتعلقة ‏المساءلة. ويجب أن تجد الدول الأعضاء حلا لمشكلة تحدي الإرادة السياسية ووسائل اتخاذ ‏تدابير هادفة إذا ما أريد للتقدم الذي أحرزناه خلال السنوات العديدة الماضية في التصدي ‏للإفلات من العقاب، أن يتواصل ويتسع نطاقه.‏

ولا يسعنا أن نؤكد بما فيه الكفاية على أن الإجراءات على الصعيد الدولي يجب أن ترتكز ‏على الالتزام بالتصدي للإفلات من العقاب على الصعيد الوطني. ويجب على الدول ‏الأعضاء، على سبيل الأولوية الأكثر إلحاحا، كفالة أن تجري الإصلاحات المناسبة لتشريعاتها ‏الوطنية من أجل حماية الأطفال، وأن تجعل قوانينها تتماشى مع واجباتها الدولية. وعلاوة على ‏ذلك، يجب تنفيذ تلك التشريعات المحلية، بطرق منها التحقيق والمحاكمة بشكل صارم وفي ‏الوقت المناسب عن الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال وإنشاء نظم لتوفير الرعاية للضحايا. ‏وتصبح العدالة عندها عنصرا شديد الأهمية في معالجة الضحايا والمجتمعات المحلية وتعافيها.‏