البيان الذي أدلت به غريس أكالو

المناقشة المفتوحة لمجلس الأمن المعنية بالأطفال والصراعات المسلحة

29 نيسان/أبريل 2009


[شاهد الفيديو*]

أشكر المجلس على دعوتي لكي أعبر بعض الشيء عن محنة الأطفال في الحروب، الذين لا تُسمع أصواتهم. اسمي غريس أكالو، وأنا من أوغندا، ووُلدتُ في الجزء الشمالي من أوغندا. إنني هنا لا لكي أتكلم عن قصتي فحسب، بل لأتكلم أيضا بالنيابة عن جميع الأطفال في الصراعات المسلحة، الذين عليهم أن يواجهوا فظائع الحروب ويبقوا على قيد الحياة، والذين يعانون من خلال الأضرار التي تلحق بهم جراء استخدامهم بصفة جنود أطفال ومن خلال ما يتعرضون له من حالات الاغتصاب والإيذاء الجنسي. وإنني ممتنة لوجود ممثلين على أعلى المستويات هنا، وهذا يعني بالنسبة إلي أنكم تهتمون بهذا الموضوع، وأنكم من صانعي القرار الذين يرغبون في إبداء التزامهم بوقف المعاناة التي يتعرض لها الأطفال في الحروب.

اسمحوا لي أن أروي لكم قصتي. بعد الانتهاء من تعليمي الابتدائي، أرسلني والديّ إلى كلية سانت ماري أبوكي، وهي مدرسة ثانوية للبنات في شمال أوغندا. وقد نزلت بالقسم الداخلي مع عشرات البنات من أماكن بعيدة. وأثارني أن عددا قليلا لا غير من بنات قريتي ذهبن إلى المدرسة الثانوية. وقد علمت مزايا التعليم. وكنت مصممة على أن أكون أول من يذهب إلى الجامعة في قريتي.

وللأسف، أُجهض حلمي بمستقبل عظيم في تشرين الأول/أكتوبر 1996، عندما اقتحم جنود جيش الرب للمقاومة مهجعي وخطفوا 139 بنتا، بمن فيهن أنا. وقد كنت من بين الخمس الأوائل اللاتي تم تقييدهن ودفعهن إلى الخروج. وقد أجبرنا جنود جيش الرب للمقاومة على تشكيل أربعة صفوف مستقيمة، وتم اقتيادنا إلى الغابة. وعلمت في تلك اللحظة أنه لن تُكتب لنا النجاة. لقد ماتت روحي، وظل جسدي مبتلا على الدوام بالبول.

والأخت راشيل، نائبة مديرة المدرسة، تبعت المتمردين. وكان لا حول لها ولا قوة. وقد هدد المتمردون بقتلها أو اغتصابها أمامنا. وطُلب إليها الرحيل، ولكنها رفضت الرحيل بدون أطفالها. وتمسكت بموقفها، وفي النهاية أُفرج عنها مع 109 من البنات. ولم أكن ضمن المحظوظات، فقد كنت من بين الثلاثين اللائي أُجبرن على البقاء.

بعد شهر من التيه في غابات شمال أوغندا، تم تقسيمنا إلى مجموعتين لكي يسهل التحكم بمسيرتنا إلى جنوب السودان. وفي الطريق، قُتل الكثير من الأطفال الذين لم يستطيعوا السير وتُركت جثثهم في الغابة. وقد استخدم المتمردون العصي والفؤوس والحراب والسواطير في السيطرة علينا. وعندما وصلنا إلى السودان، تم تسليمنا أنا وصديقاتي بنادق آلية من طراز AK-47. وعُلّمنا كيف نفك البندقية وننظفها ونركبها. ولم يتم تدريب فريقي على الرماية أو القتال. وأُخبرنا أن الجوع وحده هو الذي سيعلمنا، وبالفعل حدث ذلك. وأُرسلت مع صديقاتي للقتال ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان عدة مرات. وكان الجوع والعطش هما حالنا كل يوم. وأثناء السير الطويل وعند عودتي من القتال ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان، سقطت مغشيا عليّ من العطش والجوع، وقام أفراد جيش الرب للمقاومة بدفني فعلا في مقبرة سطحية، ظنا منهم أنني فارقت الحياة.

وبالإضافة إلى إجبارنا على القتال، تم توزيعي مع زملائي على قادة المتمردين. وأُجبرنا على قتل البنات اللائي حاولن الهرب أو رفضن معاشرة أزواجهن. وقد اغتُصبت مرارا وتكرارا من جانب قائد جيش الرب للمقاومة في مناسبات لا تحصى. كنت فتاة صغيرة بريئة. لم أعرف أي رجل في حياتي حتى ذلك اليوم. لقد شعرت بصخرة تخترق جلدي. ولكن كان علي أن أبقى على قيد الحياة.

في نيسان/أبريل 1997، وبعد مرور سبعة أشهر على وقوعي في الأسر، أُتيحت لي أخيرا فرصة للهرب من المتمردين. لقد هوجم جيش الرب للمقاومة من قِبل المتمردين من جنوب السودان، مما أتاح لي فرصة الفرار. ومشيت لمدة أسبوعين بدون طعام، بالعيش فقط على أوراق الأشجار البرية والتربة وقطر الندى في الصباح. وأنقذني فلاحون من جنوب السودان وسلّموني إلى جنود الحكومة الأوغندية، الذين سلّموني بدورهم إلى الأخت راشيل. كنت سعيدة بعودتي، ولكن قلبي كان يتقطع حزنا بسبب التعذيب المستمر الذي كانت صديقاتي ما زلن يتعرضن له. لقد تركت ورائي الكثير منهن.

بعد شهر من بقائي بالمنزل، رجعت مرة أخرى إلى كلية سانت ماري أبوكي وتخرجت منها فيما بعد. لقد كنت محظوظة بوصولي إلى مستوى التعليم الجامعي. ولكن الكثير من البنات اللاتي تمكّنّ من الهرب لا يستطعن العودة إلى المدرسة أو يحققن أحلامهن عن المستقبل، بسبب عدم مساعدتهن على التعامل مع تجاربهن الفظيعة، أو بسبب أن لديهن الآن أطفالا وُلدوا أثناء الأسر.

لقد رويتُ قصتي، ولكن ما لم تسمعوه من القصص يتعدى ذلك ألف مرة. هناك العشرات من الجيوش وجماعات المتمردين التي تواصل تجنيد الأطفال بنفس الطريقة حول العالم. وأنا هنا لكي أذكّركم بالمعاناة الحقيقية لهؤلاء الأطفال الذين يأملون في أن تقوموا بعمل أي شيء.

عندما قرأت التقرير المعروض علينا (S/2009/158)، اندهشت إزاء التقدم الذي أُحرز في منع البنات والصبيان من أن يؤخذوا قسرا من منازلهم، وأن يُضربوا ويُجبروا على القتل. وبالرغم من أن الجنود الأطفال ما زالوا موجودين، فإنه قد أُفرج بالفعل عن الكثير منهم. ومع ذلك، عندما استطردت في قراءة التقرير، رأيت القليل عن الموضوع الذي يعني الكثير بالنسبة لي. ماذا حدث للأولاد والبنات من ضحايا الاغتصاب؟ إن العنف الجنسي جريمة شنعاء ويجب معاقبة مرتكبيها. يجب منع هذه الجريمة. وأقول ذلك من منطلق تجربتي.

لقد حالفني الحظ كثيرا في التمكّن من الهرب وتلقي الدعم من الناس الذين اهتموا بي، مثل الأخت راشيل. ولكن هناك الكثير من البنات ما زلن بانتظار الفرصة لإنقاذهن، وأنا أفكر فيهن في كل يوم من أيام حياتي.

لقد استمعت إلى الممثلة الخاصة عندما تساءلت عما ينبغي أن تقوله لضحايا العنف الجنسي، مثل أديلا وأنا. إن ردي في غاية البساطة: هناك أمل. هناك أمل لأنني أؤمن أيضا بأن هذا المجلس سيعمل وسينجح، من أجل خاطر الجنود الأطفال والآلاف من الأطفال الموجودين هناك، والذين لا يزالون ينتظرون النجاة. أقول ذلك عن نفسي، لأنني ما زلت أنتظر عودة بعض أصدقائي، ويحدوني الأمل في أن يلتزم كل فرد هنا بعودة أناس من قبيل أصدقائي إلى منازلهم.