مؤتمر سان فرانسيسكو في عام 1945

 

دُعيت 46 أمة — بمن فيها الدول الراعية الأربع — إلى مؤتمر سان فرانسيسكو لاجتماع الدول التي أعلنت الحرب على ألمانيا واليابان والتزمت بإعلان الأمم المتحدة

©الأمم المتحدة/صور تأريخية
مصر توقع ميثاق الأمم المتحدة في مؤتمر سان فرانسيسكو. تظهر على الصورة نسخة فاكسميل للميثاق.

كانت بولندا واحدة من تلك الأمم التي لم تحضر لإن إعلان تشكيل الحكومة جاء متأخرا عن المؤتمر. ولذا بقي مكان توقيع بولندا شاغرا بوصفها أحد الأمم الموقعة لإعلان الأمم المتحدة. وفي أثناء المؤتمر لم تكن هناك حكومة بولندية معترف بها رسميا، إلا أن الحكومة أُعلنت في 28 حزيران/يونيه ومن ثم وقعت بولندا الميثاق — لتصبح بذلك دولة من الدول الأعضاء الأصلية — في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1945.

خمسون أمة تدنو من وحدتها

دعى المؤتمر أربع دول هي جمهورية بييلوروسيا الاشتراكية السوفياتية وجمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية والدولتين حديثتا التحرر الدانمرك والأرجنتين. وبذا اجتمع ممثلو 50 دولة في مدينة البوابة الذهبية ليمثلو 80% من سكان العالم، من كل عرق ودين وقارة، وهم على عزم كامل بإنشاء منظمة تحمي السلم وتساعد في بناء عالم أفضل. ونظر الممثلون في اقتراحات مؤتمر دمبارتون أوكس، التي كانت بمثابة جدول أعمال المؤتمر. واستطاع الممثلون، في عملهم بناء على ذلك الأساس، صياغة  ميثاق حظي بالقبول لدى جميع البلدان.

3500  فردا من أعضاء الوفود والموظفين

بلغ عدد الحاضرين 3500 فردا هم اجمالي أعضاء الوفود (850 عضوا) ومستشاريهم وموظفيهم وموظفي أمانة المؤتمر نفسها، فضلا عن 2500 فردا من الصحافيين ومراسلي وكالات الإذاعة والمراقبين من جمعيات ومنظمات أخرى عدة. ولذا فمؤتمر سان فرانسيسكو لم يكنن واحدا من أهم الفعاليات التاريخية وحسب، بل لعله كان أكبر تجمع دولي عُقد طرا. وتداول رؤساء وفود الدول الراعية رئاسة الاجتماعات العامة، ومنهم: أنثوني إيدن (بريطانيا) وإدوارد استيتينيوس (الولايات المتحدة) وتي في سونغ (الصين) وفياتشيسلاف مولوتوف (الاتحاد السوفياتي). وفي الاجتماعات التي تلت، ناب اللورد هاليفاكس عن السيد إيدن، وناب في كي ويلينغتون كو عن السيد سونغ، والسيد غروميكو عن السيد مولوتوف.

كانت الاجتماعات العامة تلك هي المراحل الأخيرة في تلك المؤتمرات، ذلك أن القدر الأكبر من العمل أنجزته اللجان التحضيرية حيث عملت بجد على التصويت على المقترحات قبيل تقديمها للاجتماع العام. وكانت عملية التصويت في مؤتمر سان فرانسيسكو مهمة جدا، حيث لزم أن تصويت الثلثين بقبول كل جزء من أجزاء الميثاق. 

وكانت هذه هي السبيل التي سلكها مؤتمر سان فرانسيسكو في إنجاز عمله الضخم في شهرين بالتمام والكمال.

ميثاق واحد بفصول أربعة

كوّن المؤتمر "لجنة تسيير" مكونة من رؤساء الوفود. وأنيط بهذه اللجنة تقرير كل المسائل المتعلقة بالمبادئ والسياسات العامة. وعلى الرغم من وجود 50 ممثلا في اللجنة — واحدا عن كل أمة — إلا أنها كانت كبيرة جدا للنظر في كل تفاصيل العمل، ولذا كُوّنت لجنة تنفيذية من 14 عضوا أُختيروا من رؤسا الوفود للعمل على تقديم توصيات للجنة التيسير.

قُسّم الميثاق المقترح إلى أقسام أربعة، وفوضت لجان للنظر في كل قسم منها. عملت اللجنة الأولى على المقاصد العامة للمنظمة ومبادئها وعضويتها وأمانتها والتعديلات المقترحة على الميثاق، وعملت اللجنة الثانية على السلطات والمسؤوليات، وعملت اللجنة الثالثة على مجلس الأمن.

أما اللجنة الرابعة فعملت على وضع مسودة النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.

وأشرف على وضع تلك المسودة لجنة — مكونة من قضاة من 44 أمة — اجتمعت في نيسان/أبريل 1945. وربما بدا هذا تفصيلا شديدا خصوصا إذا علمت أن تلك اللجان الأربع قُسّمت إلى 12 لجنة فنية، إلا أن الحقيقة هي أن تلك كانت هي الوسيلة الوحيدة لضمان استيفاء النقاشات والخروج بتلك الاتفاقات.

Founding of the UN - San Francisco Conference
 ©الأمم المتحدة/صور تاريخية
معرض صور إنشاء الأمم المتحدة || شلعج معرض صور استثنائي لصور تاريخية تبرز مراحل إنشاء الأمم المتحدة..

كلاسيكيات إذاعة الأمم المتحدة  ||  استمع إلى تسجيل برنامج "يوم عظيم " في اليوم الذي وقع فيه ميثاق الأمم المتحدة في 26 حزيران/يونيه 1945.

كلاسيكيات إذاعة الأمم المتحدة  || استمع إلى الممثل البريطاني السير لورانس أوليفر يتلوقراءته لديباجة ميثاق الأمم المتحدة الذي وُقّع في 26 حزيران/يونيه 1945. الموسيقى من تأليف الملحن الأمريكي آرون كوبلان.

تصادق الآراء

ُقدت 10 اجتماعات عامة لكل الوفود، إلا أن أن عدد الاجتماعات التي عقدتها اللجان — لفحص كل سطر وفاصلة ونقطة — بلغ ما يقارب 400 اجتماع. كانت المسألة تتعدى الألفاظ والتعابير، فكان هناك تباين الآراء واختلافات في وجهات النظر، ومر المؤتمر بأزمة أو أزمتين حتى خشي المراقبون أن يؤجل دون الوصول إلى اتفاق.

فمثلا، كانت هناك قضية وضع "المنظمات الإقليمية". فكثير من البلدان كان لها ترتيباتها الخاصة للدفاع الإقليمي والمساعدة المتبادلة. فكان هناك مثلا نظام للتعاون بين البلدان الأمريكية، وكانت هناك الجامعة العربية. ولذا كان السؤال المطروح هو عن نوعية العلاقة بين تلك الترتيبات ومنظمة دولية؟ وقرر المؤتمر أن يضمنها في إطار التسوية السلمية، وفي إطار تدابير إنفاذ في ظل ظروف معينة على اعتبار أن أهداف تلك المجموعات وأعمالها تتفق مع أهداف الأمم المتحدة ومقاصدها. 

وكانت عصبة الأمم أتاحت آلية لإعادة النظر في المعاهدات بين الأعضاء، وكان السؤال ما إذا كان على الأمم المتحدة اعتماد أحكام ممثالة. 

المعاهدات ومجلس الوصاية

في نهاية المطاف اتفقت الأطراف في المؤتمر على تسجيل المعاهدات التي تُعقد بعد تكوين الأمم المتحدة لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة التي تتولى أمر نشرها. أما في ما يتصل بالتعديلات، فلم يرد فيها نصا صريحا على الرغم من أن للجمعية العامة صلاحية تقديم توصيات بتعديلات ضمن إطار التحقيق في أي حالة تتطلب التوصل إلى تسوية سلمية.

وأضاف المؤتمر فصلا كاملا جديدا في موضوع لم تعرض له مقترحات مؤتمر دمبارتون أوكس من مثل مقترحات تكوين نظام للأقاليم الداخلة في وصاية الأمم المتحدة. وهو موضوع خيضت فيه نقاشات كثيرة، وطُرحت فيه استفهمام من مثل هل تُعّرف الوصاية بـ"الإستقلال" أم بـ"الحكم الذاتي"؟، فإن عُرّفت بالاستقلال، فما سيكون حال المناطق الصغيرة جدا التي لن تستطيع الدفاع عن نفسها. وفي خاتمة المطاف، قُدمت توصية بتعزيز التقدم التدريجي لشعوب الأقاليم المشمولة بالوصابة في سبيل الوصول إلى "الإستقلال" أو "الحكم الذاتي".

 

المناقشات والإعتراضات

كان هناك كذلك نقاش بشأن اختصاص محكمة العدل الدولية، وقرر المؤتمر أن الأمم الأعضاء ليست مجبرة على قبول اختصاص المحكمة، إلا أن لها أن تعلن طوعا القبول بالاختصاص الإجباري. وبالمثل، نوقشت قضية التعديلات المستقبلية ميثاق الأمم المتحدة كثيرا، ووصل المجتمعون في نهاية المطاف إلى حل لاقى قبول الجميع. 

وكانت قضية حق النقض (الفيتو) للدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن هي أكثر ما أ ثار الجدل في المؤتمر إلى حد التهديد بإيقافه كليا. فالقوى الصغرى خشيت من أن تهدد إحدى الخمس الكبرى السلام ولا يستطيع مجلس الأمن فعل شيئ حيالها، وعند نشوء صراع بين قوتين غير دائمتي العضوية في مجلس الأمن، مما يعني احتمال تصرف "الخمس الكبرى" تصرفا عشوائيا. وعليه اتفقوا على تخفيف سلطة "حق النقض"، إلا أن القوى العظمى أصرت على بقاء هذا الحكم بوصفه أمرا حيويا مشيرة إلى أن المسؤولية الرئيسية في صون السلم العالمي تقع على عائقها. وفي نهاية المطاف، وافقت القوى الصغرى على ذلك لتيسير إنشاء المنظمة.

ولم تحل تلك المسألة — وغيرها من المسائل الأساسية — إلا لحرص كل الدول على إنشاء أفضل منظمة دولية ممكنة. 

UN Charter

الاجتماع الأخير

عقد آخر اجتماع بشأن الميثاق في قاعة الأوبرا في سان فرانسيسكو في 25 حزيران/يونيه، فحضرت الوفود كاملة الجلسة كاملة رأسها اللورد هاليفاكس وعرض على الحضور المسودة النهائية للميثاق قائلا: "إن هذه القضية التي سنخضعها للتصويت هي أهم قضية نصوّت عليها في حياتنا."

واقترح — على اعتبار الأهمية العالمية لهذه المناسبة — الابتعاد عن المتعارف عليه في التصويت برفع اليد. وعندما وضع الميثاق للتصويت وقف كل عضو من كرسيه وظلوا وقوفا، وكذلك فعل الحاضرون الـ3 ألف من الموظفين والصحافيين والزوار ودوّت القاعة بالتصفيق الهائل عندما أعلن الرئيس الموافقة على الميثاق بالإجماع.

توقيع الميثاق

وفي اليوم التالي — في قاعة "فيتيرانز مموريال" — تحلق المندوبون، وفدا تلو آخر، حول طاولة مستديرة كبيرة وضع عليها النصوص التاريخية لميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. ووقف خلف كل مندوب الأعضاء الآخرين للوفود وورائهم أعلام الأمم الخمسين. وعمد كل مندوب — تحت إضاءة مبهرة — إلى توقيع الميثاق. وشُرّفت الصين — بوصفها أول ضحايا قوة المحور — بأن تكون أول الموقعين.

وقال الرئيس الأمريكي ترومان في حديثه أمام الاجتماع النهائي: "إن ميثاق الأمم المتحدة الذي وقعتموه للتو هو أساس صلب نبني عليه عالما أفضل. وسيحمدها لكم التاريخ. فبين انتصار أوروبا والانتصار الأخير، في هذه الحرب المدمرة،  انتصرتم على الحرب نفسها … ويستطيع العالم — ولديه هذا الميثاق — أن يستشرف زمنا يتاح لجميع البشر المقدرون أن يعيشوا أحرارا عشيا كريما".

وأشار الرئيس بعدها إلى أن نجاح الميثاق ستظهر للعيان إذا عزمت الشعوب على إنجاحه، فقال:

"إذا فشلنا في استخدامه، فإنها ستكون خيانة لكل من قضى في سبيل أن نجتمع هنا أحرارا آمنين لصياغته. وإذا سعينا لاستخدامه استخداما أنانيا — في ما يخدم مصلحة أمة واحدة أ و مجموعة أمم — فإننا نقترف بالتساوي ذنب الخيانة ذاك."

الموافقة على الميثاق

لم يكن توقيع الميثاق هو إعلان نشوء الأمم المتحدة، حيث كان على مجالس الشعوب والبرلمانات في بعض البلدان الموافقة عليه. ولذا دخل الميثاق حيز التنفيذ عندما أودعت حكومات الصين وفرنسا وبريطانيا العظمى والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وأغلبية الدول الموقعة مذكرة تصدقيها على الميثاق لدى وزارة خارجية الولايات المتحدة. وتحقق ذلك الشرط بحلول 24 تشرين الأول/أكتوبر 1945 فخرجت الأمم المتحدة إلى حيز الوجود في ما عُدّ تجسيدا لعمل أربع سنوات وأمل امتد لسنين طويلة لإنشاء منظمة دولية تنهي الحرب وتعزز السلم والعدالة والعيش الكريم للإنسانية جمعاء.

Drupal template developed by DPI Web Services Section