ا
الأمم المتحدةمرحباً بكم في الأمم المتحدة. إنها عالمكم

سلسلة ورقات المناقشة

الورقة الثامنة

 

تاريخ اليهود في أوروبا أثناء القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين

بقلم الأستاذة مونيكا ريتشارز
أستاذة فخرية في جامعة هامبورغ (ألمانيا)
مديرة سابقة في معهد التاريخ الألماني - اليهودي في هامبورغ

 

عند مناقشة تجربة الشعب اليهودي، من الأهمية دراسة الحياة اليهودية قبل مأساة محرقة اليهود. فاليهود كانوا بشراً لهم ما يخصهم من التاريخ والثقافة والتميُّزات الفردية. ويعني النظر إلى اليهود فحسب كضحايا تجريدهم من إنسانيتهم. وستصف ورقة المناقشة هذه العوامل التي تؤثّر في اندماج اليهود في المجتمع والأحوال الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تنظّم حياتهم قبل المحرقة.


التحرّر

لقد عاش اليهود في بقاع كثيرة من أوروبا منذ أن وطأت أقدامهم هذا المكان مع الرومان. وكانوا يعتَبرون بمثابة أمة خاصة. وفي ظل الحكم المسيحي في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، أصبح هؤلاء يخضعون لتقييدات في حريتهم وفي حقوقهم. وفي القرن الثامن عشر كان اليهود في جميع أنحاء أوروبا لا يتمتعون بحرية الحركة، وكانوا يستطيعون الاستقرار فحسب في الأقاليم حيث يتسلمون إذناً خاصاً بذلك. وقد أغلق كثير من الحكام أبواب بلدانهم كلية أمام اليهود. وحتى عندما كان يُسمح لليهود، لم يستطع اليهود في كثير من الدول شراء أرض أو منازل. وفي بعض المدن، كان يتحتم عليهم البقاء في مناطق مخصصة تسمى "حارات اليهود (الغيتو)" التي يستطيع هؤلاء مغادرتها فقط أثناء النهار. وكان اليهود مقيدين بشكل صارم أيضاً في مهنهم. ففي معظم الدول كان يُحظَر على جميع اليهود تقلّد جميع الوظائف ما عدا الاشتغال بالتجارة وإقراض المال.

وكان اليهود الفرنسيون أول من تحرر في أوروبا. ففي سنة 1791، مَنح البرلمان الثوري الفرنسي اليهود المساواة القانونية، وكان هذا معناه المواطَنة التامة دون ما شروط. لكن هذا النموذج الخاص بالتحرّر الفوري لم تتبعه بقية أنحاء أوروبا. وفي حين أصبح اليهود أخيراً متحررين تدريجياً أثناء القرن التاسع عشر في دول أوروبا الغربية وأوروبا الوسطى، بما في ذلك إنكلترا وإيطاليا، لم يحدث هذا في الإمبراطورية الروسية حيث كان معظم السكان اليهود الأوروبيين يعيشون. فالحكومة القيصرية أجبرت اليهود على الاستقرار فحسب في منطقة معيّنة من روسيا تسمى "بيل (Pale)" وهو حيّ الاستيطان. وهنا وفي الأماكن التي استولت عليها روسيا بعد تقسيم بولندا، عاش معظم اليهود في فقر مدقِع، مكدسون في مدن غالباً ما يشكّلون غالبية السكان. ولم يكن لكثير منهم وظائف إطلاقاً وعاشوا على الصدقات. ولم يُسمح إلاّ لبعض أفراد الطبقة العليا اليهودية الصغيرة بالعيش في موسكو أو في سانت بطرسبرغ. بل وازداد التمييز القانوني ضد اليهود أثناء القرن التاسع عشر لأن الحكومة القيصرية اعتبرت اليهود عنصراً ثورياً محتملاً. وفي سنة 1887، استُحدِث نظام حصص يسمح لطلاب يهود بالدراسة مما حمل كثيراً من اليهود الروس إلى الدراسة في ألمانيا والنمسا وسويسرا. وبعد اغتيال القيصر ألكسندر الثاني في سنة 1881، وقعت أحداث شغب كثيرة معادية لليهود ومذابح مدبّرة ضدهم في روسيا حتى قيام الحرب العالمية الأولى. وأدّى هذا مع الفقر المدقِع إلى هجرة جماعية لليهود. وغادر روسيا حوالي مليونان من اليهود في الفترة ما بين سنة 1881 وسنة 1914. ومعظمهم هاجر إلى الولايات المتحدة. وكان عند انتهاء ثورة تشرين الأول/أكتوبر فحسب أن انتهى حكم القيصر وأصبح اليهود الروس متحررين أخيراً.

لقد استغرق هذا 125 سنة من الزمن ليصبح التحرّر فعلياً بالنسبة لجميع اليهود في أوروبا. لكن هذا لم يكن يعني أن اليهود تمتعوا حقيقة بجميع الحقوق الدستورية. وفي كثير من الأحيان تقوم الإدارات بتقويض الدستور. ففي ألمانيا الإمبراطورية، على سبيل المثال، كان من المستحيل تقريباً على اليهودي أن يصبح أستاذاً كاملاً للعلوم الإنسانية أو عضواً في فيلق الضباط، حتى لو كان مؤهلاً بدرجة عالية. فمثل هذه الوظائف كانت لا تُعطَى تماماً لليهود. وبهذا عند تحليل الحالة الخاصة بأقلية من الأقليات، ليس يكفي دراسة وضعها القانوني، بل ينبغي النظر إلى الممارسات الاجتماعية أيضاً. فالتحرر لن يصلح إذا لم يقبل المجتمع أقلية ما من الأقليات على أنها متساوية. وكان تقبُّل اليهود عاملاً من العوامل التي تباينت بشكل كبير من دولة إلى أخرى وكذلك بمرور الوقت.

وعموماً، قد يعنّ للإنسان أن يقول إن التقبُّل كان يتوقف على ما تتركه معاداة السامية من أثر على أي مجتمع. ففي روسيا، كانت الأقلية اليهودية الكبيرة تعتبر نفسها أمة وكانت أقل تثاقفا من اليهود في الغرب، مما جعل موقفهم في المجتمع أكثر تعرضاً للخطر. فمعاداة السامية تواجدت تقريباً في جميع المجتمعات الأوروبية في القرن التاسع عشر، وبدرجة متزايدة حتى نشوب الحرب العالمية الثانية. وكان يُلقى باللائمة في كثير من الأحيان على اليهود في مجال المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت صعود الرأسمالية والتصنيع. وفي حين كانت معادة السامية في الشرق تؤدي إلى مذابح على نطاق واسع، كانت في الغرب لا تزال يتم التعبير عنها بأسلوب المواد المطبوعة وبوضع حواجز اجتماعية أمام اليهود. فحركة الصعود الاجتماعي لليهود الغربيين أثناء القرن 19 أفزعت على وجه الخصوص الطبقة المتوسطة البورجوازية التي أصبحت المساند الرئيسي للأفكار المعادية للسامية.


التثاقف

كان التثاقف في أوروبا الوسطى يعتَبر كما ذُكر، شرطاً أساسياً للتحرّر. فالتثاقف هو مصطَلح حديث. وفي القرن التاسع عشر كان يُستعمَل مصطلح الاستيعاب الذي يستلزم مزيداً من التكيُّف الأساسي حتى لدرجة الاغتراق. وكان المفترَض أن يتخلى اليهود عن ثقافتهم القومية لكي يستوعبوا ثقافياً الطابع الألماني أو الفرنسي، إلخ. وظنّ بعض مؤيّدي الاستيعاب أن الأقلية اليهودية سوف تنتهي حتى إلى قبول المسيحية وفي النهاية تتلاشى بالتزاوج. وعلى النقيض من هذا، يعتبر التثاقف مصطلحاً أقل تطرفاً ومصطلحاً يتسم أكثر بالصفة الدراسية ويقتضي ضمناً أن يقبل الناس ثقافة جديدة أو جزءاً منها، بيد أنهم لا يتخلون تماماً عن تقاليدهم. وهذا المصطلح يصف بدقة أكثر ما حدث حقيقة في المجتمعات الأوروبية الغربية - وكذلك بدرجات أقل في مجتمعات أوروبا الشرقية. لكن لماذا أصبحت مسألة التثاقف هامة هكذا في أوروبا الغربية أثناء التحرر؟ قبل التحرر كان اليهود من الناحية التقليدية أمة منفصلة ولهم ثقافتهم الخاصة بهم. فهم لهم دينهم الخاص بهم، ليس هذا فحسب بل لهم أيضاً جالياتهم الخاصة بهم ومدارسهم الخاصة بهم ومهنهم الخاصة بهم. وكانوا يرتدون ملابس ويكتبون ويتكلمون بشكل مختلف. وكان هذا يعتَبر حاجزاً أمام مواطَنة كاملة في كثير من الدول القومية الحديثة. وكان المتوقّع أن ينفتح اليهود على العالم المحيط بهم وأن يتخلوا عن أحياء الأقليات اليهودية الثقافية المنغلقة ليصبحوا أفراداً مواطنين من اليهود. وكان هذا تغييراً ثورياً كان معظم اليهود في الغرب على استعداد بالفعل لتقبله. بيد أن غالبية الأعداد الكبيرة من السكان اليهود في بولندا وروسيا حافظوا على تقاليدهم الثقافية. وكان التعبير الرمزي لهذا لغة هؤلاء التي تسمى "الييدية (الألمانية اليهودية)" والتي تكتَب بحروف عبرية لكنها مشتقة من اللغة الألمانية في القرون الوسطى وقامت بإثرائها مفردات من العبرية والبولندية. وفي القرن الثامن عشر كان اليهود في جميع أنحاء أوروبا ما زالوا يتكلمون هذه اللغة الييدية بصيغة شرقية وصيغة غربية. وهذا جعل الاتصالات ممكنة بين جميع الجاليات اليهودية في أوروبا. ومن ناحية معيّنة، كان اليهود فيما قبل الأزمنة الحديثة، جالية أوروبية عابرة للأوطان. وظهر هذا جلياً، على سبيل المثال، في شبكات الزواج أو في مجموعات الطلاب في مدارس التلمود الشهيرة المعنية بالدراسات الدينية المتقدمة. لكن لم تكن هناك أبداً أية منظمة جامعة دينية أو ثقافية لجميع هذه الجاليا اليهودية الأوروبية. فكل جالية كانت تنظّم نفسها بشكل مستقل من خلال هيئة تنظّم شؤون الجالية وكانت تكتري أيضاً حاخاماً إذا ما استطاعت الجالية تحمُّل نفقاته.

ومن الطبيعي أنه كانت هناك اختلافات دينية وثقافية بين اليهود في أوروبا الشرقية وأوربا الغربية، بيد أنها لم تكن على قدر من الأهمية طالما كان اليهود يتقاسمون جميع الحياة التقليدية والثقافة المشتركة الخاصة بهم. وانتهى هذا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر عند حركة الاستنارة الفكرية اليهودية "هسكاله" التي نشأت في ألمانيا. وكانت هذه هي الحركة التي فتحت لأول مرة العقل اليهودي على ثقافة أوروبا. وأصبح موسى مندلسون (1729-1781) في برلين وهو نفسه يهودي أورثوذكسي، أشهر ممثل لحركة الاستنارة الفكرية اليهودية "هسكاله" ونادي بالتحرر لليهود. وقام أيضاً بترجمة التوراة العبرية إلى الألمانية بغية تعليم اليهود لغة الثقافة المحيطة بهم. ومنع هذه الترجمة الحاخامات البولنديون الذين شعروا أن التوراة ينبغي أن تُقرأ فحسب باللغة العبرية المقدسة.

ومن الآن فصاعداً صارت الخلافات الثقافية والدينية بين اليهود الشرقيين واليهود الغربيين أقوى وسرعان ما أوجدت قطيعة بينهما. ففي الغرب، كان اليهود أسرع في اعتناق الثقافة المعاصرة. وفي حين كان مندلسون يزاوج الثقافة اليهودية والثقافة الأوروبية، بدأ الجيل التالي يُهمِل التقاليد اليهودية وينادي بإصلاحات دينية في الديانة اليهودية. وتخلّى هؤلاء عن الكلام باللغة الييدية الغربية، وتعلّموا قليلاً من العبرية وأصبحوا متسمين بالطابع الألماني ثقافياً. وخضعت الديانة اليهودية، التي كان يسيطر عليها من قبل كل جانب من جوانب حياتهم، إلى إصلاحات بغية التكيّف بشكل أفضل مع الحياة العصرية. وكان هذا مولد اليهودية المتحررة.

وقد أحدثت هذه الثورة الثقافية التي جرت خلال حوالي جيلين فحسب صدمة لمعظم اليهود في أوروبا الشرقية في حين اجتذبت إليها أقلية منهم. لكن في بولندا وروسيا وليتوانيا لم تترسّخ أبداً جذور الحركة الفكرية المستنيرة "هسكاله". فظلّت الجموع الفقيرة تتمسك بحياتها التقليدية التي تُجِلّ الطقوس والفرائض اليهودية. وحاولت الحكومة القيصرية دون نجاح يُذكَر إجبارهم على أن يعيشوا حياة عصرية بتأسيس مدارس يهودية مع موضوعات دنيوية في المنهج. وظلّ اليهود الشرقيون يتكلمون الييدية وظهر أدب هام بهذه اللغة. وظل الموقف، حيث أصبحت التغييرات ملموسة في نهاية القرن التاسع عشر واضطر نقص فرص العمل بعض اليهود إلى التوجّه إلى المصانع حيث تحوّلوا إلى عمال صناعيين. وهنا واجه هؤلاء أفكاراً اشتراكية وحياة نقابية. وفي سنة 1897، أسس اليهود "الاتحاد"، وهو اتحاد العمال اليهود من ليتوانيا وروسيا وبولندا. ومثّلت هذه المنظمة دور نقابة عمال وأصبحت جزءاً من الحزب الاشتراكي الروسي. وإلى جانب حركة العمال اليهود، كان أصل الحركة القومية اليهودية في أوروبا الشرقية أيضاً. وأدّى الظلم بسبب الفقر والمذابح أن راح كثير من اليهود يبحثون عن حلّ. وغادر الملايين إلى الولايات المتحدة. ولأن اليهود الشرقيين كانوا يتصوّرون أنفسهم أمة يهودية منفصلة، رأى البعض حلاً في العودة إلى جبل صهيون وتأسيس دولة يهودية.

وفي أوروبا الغربية، واجهت الحركة الصهيونية معارضة قوية من معظم اليهود. فقد أصبح هؤلاء على درجة من التثاقف ليس هذا فحسب، بل إنهم صاروا الآن مواطنين متحمسين في بلدانهم وأصبح هؤلاء إلى حدٍ كبير يشكّلون طبقة وسطى. وشعر هؤلاء أن الصهيونية تهددهم لأنه كان لديهم الكثير سوف يفقدونه. ولم يكن هؤلاء يريدون أن يصبح ولاؤهم لبلدهم موضع شك أو تعريض مواطنيهم للخطر. ومن ثم نمت الحركة الصهيونية في أوروبا الغربية ببطء شديد وفي الأغلب كانت بين الشباب. وغادرت قلة من اليهود الغربيين إلى فلسطين قبل سنة 1933.


الديمغرافيا والتحضُّر والهجرة


كانت أوروبا حتى نشوب الحرب العالمية الثانية مركزاً لجميع اليهود في العالم. وفي سنة 1939، أي في بداية الحرب، كانت نسبة 58 في المائة من السكان اليهود في العالم ما زالت تعيش في أوروبا، أي أصبح أكثر من نصف عدد اليهود في العالم مهدداً بمحرقة اليهود.
وقد كان توزيع السكان اليهود في أوروبا غير متعادل جداً. فقبل سنة 1880، كان حوالي 4.2 مليون يهودي يعيشون في أوروبا الشرقية، وأغلبيتهم في بلدات صغيرة في روسيا وبولندا وليتوانيا، بالمقارنة إلى 2.5 مليون يهودي يعيشون في دول أوروبا الغربية وأوروبا الوسطى. وكان حوالي نصف مليون يهودي يعيشون في ألمانيا الإمبراطورية، أي ما يبلغ أقل من 1 في المائة من السكان الألمان. بل كان عدد السكان اليهود في فرنسا وبريطانيا العظمى حتى أقل من ذلك. وحتى سنة 1918، لم تكن بولندا قد وُجدت بعد كدولة مستقلة، بيد أنها عندما عادت إلى الوجود ثانية كان لديها 3.3 ملايين مواطن يهودي، وكانوا يشكّلون نسبة 10 في المائة من السكان البولنديين. وكانت هذه الدولة الأوروبية هي الأكثر اكتظاظاً باليهود.

ومنذ أن أصبح اليهود في أوروبا الغربية متحررين وأصبح اليهود قادرين على التنقل بحرّية، هاجر هؤلاء إلى المدن حيث توافرت لهم فرص أفضل لكسب أرزاقهم والتوسّع في أنشطتهم التجارية أو الدراسة أو بدء حياة وظيفية. وأسفر هذا عن تحضّر يهودي متزايد بسرعة. وبعد الحرب العالمية الأولى، ظهرت جاليات يهودية أكبر في العواصم. وكان لتركّز السكان اليهود في مدن كبيرة أثر قوي على أسلوب معيشتهم وجعل وجودهم ملموساً بدرجة أكبر في الاقتصاد وفي الثقافة. وتأثر القادمون الجدد إلى حياة المدن بالطابع الثقافي سريعاً لأن الأمر كان يتعلق بالجيل الأصغر الذي انتقل في كثير من الحالات إلى المدن بحثاً عن تعليم أفضل. وازدادت حركة التنقل الاجتماعية المتصاعدة وانتقل كثير من اليهود، فيما عدا المهاجرون الجدد، إلى الطبقة الوسطى البورجوازية. وتخلّت أعداد متزايدة من اليهود الغربيين عن جميع الممارسات الدينية. واكتسب كثيرون هوية يهودية علمانية، فكانوا يلتحقون بالمنظمات اليهودية ويتزوجون فقط من اليهود.


الهيكل المهني اليهودي

أظهرت المهن التي تولاها اليهود في أوروبا الشرقية وأوروبا الغربية وجود أوجه تشابه، لكنها أظهرت أيضاً اختلافات واضحة. ففي القرن العشرين، ظلّ نصف أو أكثر من نصف اليهود في الغرب وفي الشرق في مهنهم التقليدية الخاصة بالحرف والتجارة. وكان هذا القطاع من الاقتصاد يتيح فرصاً جديدة منذ أن عمل التصنيع على إحداث زيادة كبيرة في إنتاج السلع الاستهلاكية. وفي حين عاش معظم اليهود بالكاد على ما يجدونه من قوت يومهم بالعمل في الحرف التجارية والصناعية الصغيرة أحدث اليهود الغربيون وظائف جديدة في مجال التجارة. وأصبح اليهود الذين كانوا باعة جائلين أصحاب محال تجارية ومندوبين للمبيعات أو حتى صاروا تجاراً للمبيع بالجملة. وأسس اليهود أيضاً أول مجمّعات تجارية وأول أنشطة تجارية لتلبية أوامر الشراء بالبريد. بل وانتقل بعض اليهود من التجارة إلى الإنتاج وافتتحوا مكاتب للطباعة ودوراً للنشر، ودخلوا بنجاح إلى صناعة الملابس. وفي ألمانيا، أصبح اليهود أيضاً أصحاب أعمال حرة في الصناعات المعدنية والكيميائية والكهربائية وكذلك في التعدين بمناجم الفحم. واستمر اليهود الأوروبيون ناشطين في الصيرفة وتمويل التصنيع.

وفي كثير من المدن الغربية مثل برلين أو هامبورغ أو فيينا، نشأت في القرن التاسع عشر طبقة وسطى يهودية متسعة. ودخل اليهود بشكل متزايد الجامعات وأصبحوا من أصحاب المهن. ودرس معظم الطلاب اليهود الطب أو تدربوا ليصبحوا محامين يعملون لحساب أنفسهم لتجنُّب معاداة السامية المحتملة من أرباب العمل. وازدادت نسبة أعداد اليهود الذين يدرسون بالجامعات ويدخلون مجال المهن الفنية، وهو الشيء الذي كان هاماً جداً عند مقارنته بعدد السكان اليهود في ذلك الوقت. وعلى سبيل المثال، في سنة 1925 في ألمانيا كانت نسبة اليهود 26 في المائة من جميع المحامين ونسبة 15 في المائة من جميع الأطباء، بيد أن اليهود كانوا يشكلون نسبة واحد في المائة فقط من عامة السكان.

وفي حين ظل الهيكل المهني اليهودي في روسيا القيصرية تقليدياً أكبر بكثير، حدث هناك تحديث من نوع ما. لكن معظم اليهود كانوا من صغار التجار أو أصحاب الحرف الفقراء، حيث كانوا يعملون في كثير من الأحيان في مهنة الحياكة، وتوجّه بعضهم إلى الصناعة التحويلية وأصبحوا أصحاب أعمال حرة على درجة من الأهمية في بعض قطاعات الاقتصاد. لكن في أوروبا الشرقية، ظلت الطبقة الوسطى والعليا من اليهود صغيرة وكانت فحسب متثقفة إلى حدٍ ما.

 

اليهود كمبدعين في الثقافة الأوروبية

أصبح اليهود منذ نشأة الحركة الفكرية المستنيرة "هسكاله" يستحوذون على الثقافة الأوروبية، ليس هذا فحسب، بل شارك هؤلاء أيضاً في إبداعها. فسرعان ما أصبح اليهود الموهوبون ظاهرين في مجال الفنون وفي العلوم وفي العلوم الإنسانية. وفي نهاية القرن التاسع عشر، تحولت فيينا وبرلين وبراغ إلى مراكز ثقافية مع مشاركة قوية من النُخب اليهودية المثقفة. وأصبح أشخاص من ذوي الخلفيات اليهودية بارزين جداً في الساحة الأدبية في فيينا، وخصوصاً بين الكتّاب المسرحيين والشعراء والصحفيين. وفي بعض المجالات، وخصوصاً علم النفس والموسيقى، انسلخ اليهود عن تقاليد المهنة. وأشهر شخص من بين هؤلاء هو سيغموند فرويد (1856-1939)، المبدع الفييناوي للتحليل النفسي. وأصبح الكاتب التشيكي فرانز كافكا (1883-1924) شهيراً في العالم. وأصبحت برلين، مثل فيينا تماماً، مركزاً للكتّاب والصحفيين اليهود وكذلك مركزاً للمثلين ومديري المسارح اليهود. بيد أن اليهود في برلين شاركوا أيضاً إلى حدٍ كبير في الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء. فأصبح ألبرت أينشتاين (1879-1955) مشهوراً على الصعيد العالمي بين علماء برلين. وفي حين أصبح اليهود الغربيون مبدعين للغاية في الثقافة الأوروبية، فقدت ثقافتهم اليهودية الذاتية أهميتها بالنسبة لكثيرين منهم.

وكان هذا مختلفاً تماماً في أوروبا الشرقية حيث كانت الأغلبية لا تزال تعيش في المعتقدات والعادات العرفية اليهودية، وتتكلم اللغة الييدية وتعتبر نفسها أمة منفصلة. بيد أن معاداة السامية القوية في بولندا وروسيا ساعدت على إبقاء اليهود بعيدين وجعلتهم أكثر تطرفاً سياسياً. وكان كثير من المدارس اليهودية في الجمهورية البولندية تُدرِّس باللغة الييدية. وأسس اليهود البولنديون عدة أحزاب سياسية من بينها حزباً عرفياً وحزباً متحرراً وحزباً للعمال، وكذلك عدة أحزاب صهيونية. وكانت الثقافة الييدية مزدهرة، وخصوصاً في مجال الأدب، وفي المسرح باللغة الييدية وفي الصحافة اليهودية. وكتب كثير من الكتاب المشهورين مثل إسحاق باشفيز سينغر (1902-1991) الحاصل على جائزة نوبل، كتب باللغة الييدية. وفي سنة 1925، تم تأسيس معهد للدراسة الأكاديمية باللغة والثقافة الييدية في برلين وسرعان ما انتقل إلى فيلنيوس، التي كانت تنتمي حينذاك إلى بولندا.

وقد تعرّض اليهود في فترة روسيا القيصرية لكثير من المذابح. وعندما تأسس الاتحاد السوفياتي، أصبح اليهود لأول مرة مواطنين يتمتعون بالمساواة في الحقوق. بيد أن الشؤون السياسية في الحكومة السوفياتية أجبرت السكان اليهود على تغيير هيكلهم الاجتماعي بشكل كامل وعلى التخلي عن الهوية الدينية. وفقد كثير من اليهود البالغ عددهم 2.7 مليون شخص في الاتحاد السوفياتي دخولهم بسبب فرض السياسة الاشتراكية على الإنتاج والتجارة، وأصبحت التجارة الخاصة غير مشروعة. واضطر هؤلاء اليهود عندئذ إلى التوجّه إلى الجمعيات التعاونية الزراعية الجديدة. وفُرض حظر على الحزب الديمقراطي الاشتراكي اليهودي وعلى الحركة الصهيونية. وجرى أثناء الحملات المناهضة للدين حتى سنة 1939 حلّ الجاليات اليهودية ومدارس التلمود ومعظم المعابد اليهودية. وحتى الاستخدام العلماني للغة الييديه صار صعباً للغاية. وفي ظل هذه الظروف، لم يكن ممكناً بقاء اليهودية العرفية والهوية اليهودية الإيجابية. وأُجبر اليهود على الاندماج الكامل. ومن ناحية أخرى، استفاد هؤلاء من الفرص الوظيفية التي أتيحت لهم عندئذ عند دخول الحزب والمؤسسات التي تديرها الدولة. وكان اليهود، ضمن كبار موظفي الحزب البلشفي ممثَّلين تمثيلاً جيداً في السنوات الأولى من قيام الاتحاد السوفياتي. وفيما بعد، صار العديد من الموظفين اليهود ضحايا الرعب الستاليني. وأظهر العدد الكبير من التزاوج في الاتحاد السوفياتي أن هذا الاتحاد السوفياتي نجح في دمج اليهود لدرجة الاستيعاب. ومن المفارقة، أن معادة السامية فحسب هي التي أبقت على المدى البعيد فكرة كون الأشخاص يهوداً في الدولة السوفياتية.
وقد أصبحت الحياة اليهودية مختلفة جداً في أوروبا الشرقية والغربية في الأزمنة الحديثة. فاليهود الغربيون اندمجوا اجتماعياً وثقافياً لدرجة أنهم لا يستطيعون أن يتصورا حدوث محرقة في الثقافة الغربية التي شعروا بأنهم ينتمون إليها. وفي بولندا، بقي اليهود أمة منعزلة، تناضل من أجل حقوق الأقلية، في حين كانت اليهودية ذاتها في الاتحاد السوفياتي في سبيلها إلى الفناء تقريباً بسبب التدابير السياسية الحكومية. فالتأثير المتزايد لمعاداة السامية والأحزاب المناهضة للديمقراطية في كثير من البلدان الأوروبية عملت على زعزعة استقرار الوجود اليهودي حتى قبل حدوث محرقة اليهود.




أسئلة للمناقشة

 

 

العودة إلى قائمة المحتويات >>