ا
الأمم المتحدةمرحباً بكم في الأمم المتحدة. إنها عالمكم

سلسلة ورقات المناقشة

الورقة الخامسة

 

محرقة اليهود كعلامة هادية لاكتشاف الإبادة الجماعية ومنعها في أفريقيا

بقلم إدوارد كيسي
الأستاذ المساعد لتاريخ أفريقيا، جامعة سوث فلوريدا (الولايات المتحدة).

 

يجب علينا أن نتذكر وأن نستخلص دروساً مستفادة من الجرائم المرتكبة ضد اليهود أثناء المحرقة إذا ما أردنا أن نمنع وقوع مآسي مماثلة في المستقبل. وينبغي أن تكون أفريقيا متيقظة لهذه الأخطار في ضوء ماضيها القريب.

وتوحي الأحداث التي وقعت في أفريقيا منذ الإبادة الجماعية في رواندا 1994 إلى استمرار الاستهداف المتعمَّد لفئات مقولبة نمطياً، مع النية المعلنة بإبادتها. وهذا يعزِّز درسين بارزين في سلوك الحكومات وردود أفعال المجتمع إزاء الإبادة الجماعية. فأولاً، أي حكومة تتقلَّد السلطة وتصر على متابعة برنامج إبادة فئات معيَّنة، باسم احتكار السلطة أو إنشاء ما يفترض أنه مجتمع "نقي وكامل"، في كثير من الأحيان تنجح في القيام بذلك. وتصور الأيديولوجيات والأفعال التي قام بها النظام النازي وحكومة رواندا التي تتزعمها قبيلة الهوتو هذه الحقيقة المؤسفة. وهناك أيضاً عدد من العناصر الفاعلة والعوامل التي تضاعف من العنف ضد الفئات العرقية التي تعتبر "غير عربية" أساساً في دارفور والتي يمكن أن تعرض للخطر وجود هذه الفئات إذا لم تتخذ خطوات عما قريب لحمايتها. وثانياً، قد يكون هناك شيء يتربص لجوهر الإنسانية بحيث يجتذب البشر إلى ممارسة العنف أو يجعلهم لا مبالين بالعنف المرتكب ضد الآخرين. فالاستجابات الفاترة من جانب المجتمع إزاء مصير يهود أوروبا في غضون الحرب العالمية الثانية، وإزاء التوتسي أثناء الإبادة الجماعية في رواندا في سنة 1994، تلقي الضوء على هذا.

في حين قد تشير الاحتجاجات الشفوية إلى فيض من اللياقة والود في الإنسانية بحيث يمكن أن يستفاد بها لمنع الإبادة الجماعية، قد يتطلب الأمر لمنع الإبادة الجماعية نُهجاً جديدة مثل الاستجابات العملية، الهرمية من القاعدة إلى القمة، على المستويات المحلية ودون الإقليمية، للاستعاضة عن الآليات الحالية البيروقراطية الدولية والتي تبدأ من القمة إلى القاعدة.

وقد يتأتى واحد من هذه النُهج في "عملية إنقاذ"، يتم التفاوض بشأنها وتساعدها العناصر الفاعلة المحلية ودون الإقليمية، وتهدف إلى نقل الفئات المستهدفة من البيئة التي تقع فيها الإبادة الجماعية. ومثال لذلك هو عملية النقل الناجحة، بالبر والجو، لليهود الإثيوبيين المعرضين للخطر من إثيوبيا إلى إسرائيل في الثمانينات. وكانت ضرورة الدخل السريع درساً قيماً مستفاداً من محرقة اليهود، عندما أخفقت "عناصر فاعلة دولية"- الدول المتحالفة القوية واسعة الحيلة في التصرف لتنقذ أو تنجي اليهود الأوروبيين في ألمانيا النازية. وبالتأكيد، ترتبط أية عملية "إنقاذ" أو رحيل جماعي "متفاوض عليه" للفئات المهددة بالخطر استعداد العناصر الفاعلة المحلية والإقليمية، مثل السودان، في الحالة الإثيوبية، للمساعدة في عملية الإنقاذ، أو إسرائيل كدولة أخرى أو كمجتمع آخر سواء في الجوار أو على بُعد، لقبول الجماعة المهددة بالخطر. ويمكن إيجاد هذا الاستعداد بسهولة عندما يصل الأفراد وبقية المجتمع إلى اعتبار الإنقاذ عوناً لا غنى للإنسانية عنه في وقت الخطر، واعتبار عدم الاكتراث بمحنة المستضعفين نوعاً من الوقوف موقف المتفرج وهو ما يشبه موقف مرتكب جريمة الإبادة الجماعية.
وتشير الاعتذارات التي تواصل الدول ورؤساء الحكومات السابقون تقديمها عن عدم بذل ما فيه الكفاية لإنقاذ الضحايا من الإبادة الجماعية إلى الآثار المترتبة عن ذلك على الفرد والمجتمع لوقوفهما موقف المتفرج. ويمكن لذكريات الوقوف موقف المتفرج في حين كان يجري ذبح زملاء من بني البشر أن تسبب صدمة نفسية للأفراد الذين يشاهدون الإبادة الجماعية ولكن كان من الممكن أن يساعدوا على الحيلولة دون وقوع ذلك. وهذا يعمل في كثير من الأحيان على أن يشعر المتفرجون طويلاً بتأنيب الضمير لافتقارهم إلى السلوك الأخلاقي وإلى غضب أجيال المستقبل لأنهم لم يفعلوا شيئاً لمنع أو قف العنف.

إن القرن الحادي والعشرين يتطلب "حرباً عالمية على الإبادة الجماعية" مع تخصيص الكثير من الموارد وإيلاء الاهتمام مثل "الحرب العالمية على الإرهاب" الجارية حالياً. وتحقيق النجاح في حرب عالمية على الإبادة الجماعية سوف يعتمد، دون شك، على نُظم إنذار مبكر بشأن الإبادة الجماعية بحيث يمكن اكتشاف علامات تشير إلى أن إبادة جماعية يجري ارتكابها.


علامات تشير إلى إبادة جماعية


تمخضت الدراسات المقارنة للإبادة الجماعية منذ وقوع محرقة اليهود عن معلومات هامة بشأن علامات التحذير المبكر لوقوع إبادة جماعية وشيكة. وهذه العلامات تشمل البيانات الإذاعية عن خطب الكراهية وتبشيع صورة فئات مستهدفة (كما حدث في حالة رواندا). وأية تحركات جماعية عبر الحدود لفئات محدَّدة إلى دول مجاورة (كما في تحركات الشعب الجارية من دارفور إلى تشاد) يمكن أن تكون علامة تشير إلى أن شكلاً من أشكال الاضطهاد المستهدف لهذه الفئات يحدث في بلدان إقامة هذه الجماعات. فمنع الفئات المضطهدة من الفرار، وخصوصاً عندما يتسم هذا بعمليات قتل بدنية لأفراد الفئات، إنما يفضح نية قائمة أو متكشفة من جانب القائمين بممارسة الاضطهاد، لإفناء تلك الجماعة. كما أن النزاعات المديدة على السلطة والسيطرة على الدولة ما بين الحكومات والجماعات المسلحة، ولا يظهر أي من المتحاربين أية رغبة في تسوية شكاواهم بالطرق السلمية، يمكن أن يخلق هذا حالة إبادة جماعية. فقد وجد هذا الموقف في إثيوبيا، في الفترة من سنة 1977 حتى سنة 1991، عندما تحاربت الحكومة العسكرية في إثيوبيا ومعارضوها المسلحون على مسائل السلطة والانفصال وتقرير المصير حسب الأصل العرقي. وتوجد نفس الحالة في دارفور، حيث ما انفكت حكومة السودان وحركات المتمردين المسلحين تتحاربان منذ شباط/فبراير 2003 على مسائل السلطة والحكم الذاتي الإقليمي، وتقرير المصير حسب الأصل العرقي وتوزيع موارد التنمية. وتواجدت حالة إبادة جماعية في رواندا، في الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 1990 إلى آذار/مارس 1994، بسبب الحرب المسلحة الدائرة بين حكومة يسيطر عليها الهوتو والجماعة المسلحة المناهضة للحكومة بقيادة التوتسي، وهي الجبهة الوطنية لرواندا، على مسائل مشابهة. وكما نعرف الآن، يمكن لحالات الإبادة الجماعية بسهولة أن تفضي إلى إبادة جماعية فعلية.

 

الدروس المستفادة من محرقة اليهود


في كثير من الأحيان، يستخدِم مرتكبو جريمة الإبادة الجماعية، كما تؤكد الدروس المستفادة من محرقة اليهود، ستار الحرب لمتابعة خطة مدبّرة لإبادة فئات معيّنة. وقد أخفقت الدول المتحالفة في كشف علامات إنذار سافرة ودقيقة تشير إلى أن إفناء يهود أوروبا يشكّل جزءاً أساسياً من أهداف حرب النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية، أو ببساطة تجاهلت تلك الدول علامات الإنذار. ونتيجة لذلك، بدا أن الدول المتحالفة كانت أكثر اهتماماً بدحر ألمانيا النازية من إنقاذ اليهود، ربما متجاهلة الحقيقة ومفادها أن كثيراً من الهدف النازي المستتر وهو إبادة يهود أوروبا، كان قد أُنجِز عندما خيّم وقت النصر. كما أن أعمال القتل المستهدفة التي ارتكبها متطرفو الهوتو ضد التوتسي في رواندا حدثت في سياق حرب طويلة الأمد بدا فيها وقف إطلاق النار ومؤتمرات السلام المتفاوض عليها هي أهداف السلام العليا، التي ينشدها الوسطاء الدوليون. ومن ثم، ينبغي أن تُراقَب بدقة حروب الاستنزاف الطويلة الأمد في أفريقيا لأن أي قتل منهجي لفئات معيّنة في إبادة جماعية فعلية كان صراعاً محلياً مستتراً على السلطة. واتخاذ إجراء عملي إزاء علامات الإنذار هذه في مراحلها المبكرة هو أفضل الطرق لمنع إبادة جماعية ماثلة في إطار الحرب.

زيادة على ذلك، كان النازيون يتطلعون إلى خلق دولة ألمانية (رايخ ألماني) أوسع نطاقاً، أو ألمانيا العظمى استناداً إلى أفكار معلنة بوضوح تتمثل في ضم أراضٍ خارج ألمانيا، تسكنها شعوب تتكلم الألمانية. وتضمّنت التطلعات المثالية النازية أيضاً آمالاً في احتياز أراضٍ أوسع والسيطرة عليها باسم خلق حيّز معيشي للألمان. ولدى قارة أفريقية رُسمت "حدودها الاستعمارية" بشكل استبدادي، وشكّلت مناطق طبيعية عرقية الكثير مما تخشاه من هذه الطموحات الإقليمية على النمط النازي. فالناس الذين يعيشون في منطقة القرن الأفريقي لا بد وأن يتولوا المسؤولية الأخلاقية لمعارضة الفكرة المتلبثة الخاصة "بالصومال الأكبر" التي ألهمت دعاة الانضمام الوحدويين الصوماليين منذ سنة 1962 إلى السعي وراء ضم أراضٍ في كينيا وإثيوبيا وجيبوتي تسكنها جماعات عرقية صومالية. فوجود سياسة صومالية للضم القومي الوحدوي في القرن الأفريقي، على النمط الألماني "الاندماج anschluss" و "الحيّز المعيشي lebensraum" في وسط أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى أثناء نشوب الحرب العالمية الثانية، قد لا يكون شيئاً محتملاً. ومع ذلك، تنذر محرقة اليهود والإبادة الجماعية في رواندا بأن الشيء غير المتصوّر أحياناً يمكن أن تحرّكه بضعة أشخاص على ظهر دبابات مع أفكار مثالية خيالية. ومع ذلك، ليس كل عملية قتل في أثناء الحرب، أو حزازات وأنماط مقولبة معلَنة صراحة بشأن جماعات معيّنة تشير إلى وقوع إبادة جماعية جارية أو قيد النظر.

وينبغي أن تنبّه محرقة اليهود أيضاً الأفارقة، والدول الأفريقية الأعضاء في الأمم المتحدة، إلى أشخاص معدودين آخرين ضحايا لهذه الإبادة الجماعية إلى جانب اليهود الأوروبيين: الأشخاص المثليون. فالثقافات التي تُلهم مشاعر الخوف والكراهية ضد المثليين والسحاقيات يمكن أن تكون مكامن للإبادة الجماعية، وينبغي مراقبتها بدقة.

 

المسؤولية عن الحماية مقابل الالتزام بالمنع


رغم أن الدراسات عن محرقة اليهود والإبادة الجماعية في رواندا ليست كافية للتنبؤ بوقوع إبادة جماعية، فإنها أثارت فجأة وبشدة الرأي العالمي نحو التزام بمنع الإبادة الجماعية أو التدخّل في عملية إبادة جماعية لإنقاذ الأرواح. وقد دعا قادة العالم أثناء انعقاد مؤتمر القمة العالمي في سنة 2005 إلى قبول مبدأ عالمي بشأن المسؤولية عن حماية المدنيين من ارتكاب جرائم ضد الإنسانية عندما تكون الحكومات غير راغبة في القيام بذلك.

وهذا هو "مبدأ عالمي" آخر جدير بالثناء، بين مبادئ كثيرة أُعلنت منذ سنة 1945، بيد أن السؤال هو: على من تقع المسؤولية عن حماية فئات مستهدفة؟ وما هو أفضل شكل يكون للحماية لكي لا يشهد العالم تكشف إبادة جماعية أخرى؟

وفي ضوء التاريخ المختَلط بالتصديات الدولية للإبادة الجماعية، بما في ذلك البعثات "الوقائية" لإنقاذ المدنيين من المحرقة إلى الملاذات الآمنة التابعة للأمم المتحدة والتي لم توقف الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا في أوروبا الشرقية إلى تكشف الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية في دارفور، فإن أفضل حماية هي في الحقيقة، المنع. كما أن إجراء من القمة هبوطاً "بقيادة الولايات المتحدة" أو "بتكليف من الأمم المتحدة"، أو تدخلات إنسانية مسلحة أو "نظام فرض جزاءات" قد لا يكون هذا هو الأفضل أو الطريقة العملية لتنفيذ هذا الالتزام على أرض القارة الأفريقية.

وتشير عمليات الإبادة الجماعية التي وقعت في الماضي إلى أن انتظار التدخل الخارجي أو تحمّل مسؤولية "دولية" لحماية فئات مهددة بالخطر قد يستغرق وقتاً طويلاً ومراوغاً ويحصد أرواح الكثيرين. أما نجاح "مسؤولية الحماية" كمبدأ أخلاقي، فيمكن تنفيذه على أفضل وجه من خلال المساعي المحلية ودون الإقليمية مع بعض العون الخارجي.

وقد كان التاريخ القريب للإجراءات الوقائية الإقليمية لحماية المدنيين شيئاً مشجعاً أكثر من بدائلها الدولية. فمع بعض العون من الولايات المتحدة، أوقف فريق الرصد التابع للجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا النزاع المسلّح والعنف في ليبيريا وسيراليون في التسعينات. فالقرب من المنطقة ومعرفتها وإمكانية أن تستطيع دول في المنطقة، مثلما في حالة غرب أفريقيا، أن تنظّم بسهولة بعثات لإنقاذ الجماعات المستهدفة، هذه توفر وقاية أفضل وأسرع وأنجع.

ووجود التزامات دون إقليمية إزاء مسؤولية لحماية المدنيين من جرائم ضد الإنسانية يعني أنه لا بد من وجود مكاتب خاصة للكشف والإبلاغ عن علامات الإنذار المبكر داخل هذه الأجهزة الإقليمية. ومن الممكن أن يساء استعمال التدخلات دون الإقليمية من القوى الإقليمية. ومع ذلك، يمكن تقليل هذا الاحتمال إلى أدنى حدّ بمنح دور للأمم المتحدة في مبادرة دون إقليمية جديدة خاصة بمنع الإبادة الجماعية وبحماية المدنيين. ويستطيع الدعم اللوجستي من الأمم المتحدة والحوافز المالية أن تفيد فيما تقوم به قوات التدخل الإقليمية من استنجاد وكبح لإساءة استخدام هذه التدخلات من جانب القوى الإقليمية. وتستطيع البلدان الأفريقية أن تُعدّ جموع السكان الوطنيين على قبول إمكان حدوث وفيات لقواتها أثناء تقديم خدمة أخلاقية لحماية جماعات في بلدان مجاورة توجد معها روابط ثقافية في منطقة يعتبر استقرارها شيئاً أساسياً لأمن هذه الشعوب.

وقد كانت النزاعات المسلحة بين الحكومات والجماعات المسلحة المناهضة للحكومة هي أكبر الأسباب لوقوع الجرائم ضد المدنيين في أفريقيا المعاصرة. فقادة الدول المصرّون على احتكار السلطة أو استخدامها لتحديد توزيع الموارد يصرّون على عقاب المدنيين المفتَرض أنهم يتعاطفون مع المسلحين المناوئين للدولة. وقد كشف تاريخ هذه النزاعات منذ السبعينات في إثيوبيا وليبيريا وسيراليون ورواندا والسودان أن جماعات التحرير أو مليشيات التحرير المسلحة المتحاربة في أفريقيا ليسوا ضحايا أبرياء لإرهاب الدولة. فالحكومات وجماعات المتمردين المسلحين من غير المحتمل أن يقوموا بحماية السكان المدنيين المفترض أنهم يعارضونهم. ومن ثم في دارفور مثلاً، قد يحتاج الإنسان إلى أن يتجاوز التزاماً بحماية السكان المدنيين من جرائم ضد الإنسانية مثل حرق القرى واغتصاب النساء. ومن الأمور الأساسية "لزعماء العالم" (الذين يُتصوَّر بشكل عام أن من بينهم قادة الدول الأفريقية) أن يتحملوا التزاماً آخر بأن يكونوا متوازنين في إداناتهم لمرتكبي الأفعال الإجرامية.
فإذا كان أحد يريد أن يدين دولة السودان، ينبغي بنفس الطريقة إدانة المسلحين المناوئين للحكومة السودانية مثل جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة. فعدم إدانة أفعال جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة (تسمى الآن جبهة الخلاص الوطني) الذي يمكن أن يبتلع هذا كامل المنطقة الفرعية للقرن الأفريقي في عنف الإبادة الجماعية، معناه إغماض العين وتشجيع السلوك الخطر أخلاقياً لهذه الجماعات المسلحة من غير الدول.

وبجانب الجهود دون الإقليمية المبذولة للحماية، من الضروري أيضاً إقرار مبدأ "المسؤولية عن الحماية" في إطار أوسع نطاقاً في الجهود المحلية لمنع الإبادة الجماعية. وقد حان الوقت لكي تُستخدَم أيضاً المؤسسات المألوفة ثقافياً، بقيمها الكامنة لديها، في إعداد نظام من المسؤوليات الأخلاقية الأصلية لمعارضة الإبادة الجماعية والعبارات البلاغية المحرّضة على الإبادة الجماعية. وينبغي للناشطين في مجال حقوق الإنسان في كل بلد أفريقي إنشاء مجالسهم المحلية الخاصة التي تضم "الشيوخ" و "قيادات المجتمعات المحلية". فهؤلاء الشيوخ وقيادات المجتمعات المحلية يحظون بوقار كبير في ثقافاتهم المحلية. وباستغلال أدوارهم في المجتمع والاحتكام إلى الأعراف المنسية التي كانت من قبل تُجَرّم أفكار الإبادة الجماعية، يستطيع هؤلاء العمل خارج أُطر الدول لجعل منع الإبادة الجماعية وجميع أشكال القتل الجماعي التزاماً عرفياً مرة أخرى. ومع هذا، فإن النجاح في مجال الإبادة الجماعية، في أي مكان، يتوقف على رغبة السكان المحليين لقبول أو للتغاضي عن الهلاك البدني لمجموعة معيّنة فيما بينهم. فإذا أراد مرتكبو الأفعال الإجرامية في أفريقيا الرد بمعارضة الشيوخ المحليين ذوي النفوذ أو بمعارضة التدخل من بلدان المنطقة الفرعية لإنقاذ الضحايا أو حمايتهم، قد يعيد هؤلاء الجناة النظر في رغباتهم. وإذا أمكن لمجتمع يتسم بالشجاعة وصحوة الضمير، أثناء استمرار إبادة جماعية أن يجعل من المستحيل على الجناة أن يحققوا النجاح، لن يكون من الضروري الاضطلاع بمسؤولية دولية مكلِّفة لحماية المدنيين.


عقلية مرتكبي الجرائم

صار من يرتكب الإبادة الجماعية أو يدعمها من الدول والقادة يعتقدون أنهم يستطيعون المضي قُدماً دون مواجهة اعتراض من شعوبهم وجيرانهم ومن بقية العالم. وهنا، مرة أخرى تعتَبر الدروس المستفادة من محرقة اليهود جديرة بالذكر بأسوأ معاني الدروس. فالطريقة التي وقعت بها محرقة اليهود، وخصوصاً في الاستجابة الدولية الفاترة في ذلك الوقت، جعلت حدوث أفعال إبادة جماعية لاحقة أكثر احتمالاً. ويبدو أن مرتكبي الجرائم بعد وقوع محرقة اليهود استوحوا الإلهام من المحرقة. فقد استخرج هؤلاء لأنفسهم عناصرها الأساسية وصورها واقتدوا بها من حيث عدم وجود جهود محلية ودولية منظمة للإنقاذ أو الحماية. وكما تفصِح اليسون ديس فورج في كتابها "لا تدع أحداً يحكي الرواية Leave None To Tell the Story(1999)، بدا أن رئيس جمهورية رواندا، جوفينال هابياريمانا و "أخلاءه" قد أُعجبوا بشخصية أدولف هتلر ودولة "الرايخ الثالث" فقد كان لدى هابياريمانا في مقر إقامته نُسخ من أفلام عن هتلر والنازية، ويحتمل أنه شاهدها. وقلّد القوميون الهوتو في رواندا أساليب أخرى استعملها "الرايخ الثالث" الألماني. وما أصبح معروفاً بأنه "الوصايا العشر التي يتبعها الهوتو" حرّضت إلى حدٍ ما الهوتو على الحفاظ على نقاء هويتهم بالامتناع عن الزواج رجالاً ونساءً من التوتسي. وهذا هو أقرب ما وصل إليه مصممو وداعمو الإبادة الجماعية في رواندا فيما يتعلق بعملية الإنجاب في ذلك البلد في كانون الأول/ديسمبر 1990، حيث استنسخوا قوانين نورنمبرغ التي سنّها النظام النازي في ألمانيا في أيلول/سبتمبر 1935، هو نفس الغرض وهو الحفاظ على "نقاء" الجنس الآري من خلال إجراءات تحريم الزواج بين اليهود والألمان. وكان مرتكبو جرائم الإبادة الجماعية من الهوتو قريبين أيضاً من النازي في الطريقة التي قلّلوا بها من قيمة ضحاياهم من التوتسي. فاليهود بالنسبة للنازيين كانوا يعتبَرون "هوام عالة على المجتمع" يتعيَّن إبادتهم من المجتمعات الصناعية في أوروبا وبقية العالم. أما مرتكبو الجرائم الهوتو فقد كانوا يعتَبرون التوتسي "صراصير" لا بد من البحث عنهم وقتلهم في المجتمع الزراعي في رواندا. وقد اعتاد المذيعون في محطات الإذاعة التي يسيطر عليها الهوتو على التحريض على الإبادة الجماعية، حيث قاموا دون حياء بتحريض المستمعين إليهم بقتل جميع التوتسي والهوتو المعتدلين دون إعارة أي اهتمام للرأي أو الاستجابة على الصعيد الدولي. وبالتالي فإن اليسون ديس فورج على صواب في القول بأن مرتكبي الجرائم الهوتو "قد عرفوا أن هذا النوع من المذبحة سوف يتغاضى عنها المجتمع الدولي".

ورغم أن بعض الناس العاديين وغير المستنيرين يساعدون على ارتكاب الإبادة الجماعية، فإن أولئك الذين يشرعون في الإبادة الجماعية ويخططون لها هم من غير الناس العاديين ولا من المستنيرين. لكن الذين خططوا مؤخراً لارتكاب الإبادة الجماعية في أفريقيا كانوا من النُخب المتعلمة جيداً الذين لديهم فهم ملحوظ للشؤون السياسية الدولية وعمليات المنظمات الدولية. كما أن هؤلاء قرأوا عن مصير اليهود في الحرب العالمية الثانية. أما في أفريقيا في فترة ما بعد الاستعمار، يمكن لأشخاص الصفوة الذين يباشرون في ارتكاب الإبادة الجماعية أن يصوّروا أي تدخلات دولية بأنها مثال آخر للتدخل والعبث الأجنبي أو للاستعمار الجديد. وهذا الاتهام تتردد أصداؤه في القارة الأفريقية. وهو يستمد قوته وجاذبيته من ذكريات السيطرة الاستعمارية الأوروبية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ والتدخل الفاشل من الأمم المتحدة في الكونغو وعمليات التآمر اللاحقة أثناء الحرب الباردة على القارة في الستينات. وهذه الحقائق تشجّع المستنيرين مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية في أفريقيا على الاعتقاد بأنهم يستطيعون الإفلات من عقوبة القتل. وهكذا، من الضروري وضع استراتيجيات جديدة لمنع الإبادة الجماعية في أفريقيا بحيث لا تعتمد على عناصر فاعلة "دولية".


الخاتمة: التوعية بمحرقة اليهود والإبادة الجماعية


ينبغي أن تتضمّن استراتيجيات التوعية بالإبادة الجماعية وحماية المدنيين في أفريقيا أيضاً التوعية بمحرقة اليهود والإبادة الجماعية. وتستطيع الأمم المتحدة أن تزوّد البلدان الأفريقية بلقطات ومشاهد مرئية لمحرقة اليهود وعمليات الإبادة الأخرى مع ترجمات باللغات المحلية لكي تُعرض في المناطق الريفية والحضرية. وينبغي أن تتزامن ذكريات محرقة اليهود في أفريقيا مع تكليف من الدولة بتدريس موضوع الإبادة الجماعية في جميع المدارس والأكاديميات العسكرية لتجديد الشعور بالتقدير والاحترام للآخرين. وينبغي تعزيز هذه البرامج التعليمية ذات الدلالة في السنوات المدرسية المبكرة قبل أن تنمو عقليات تتقبل الإبادة الجماعية. وينبغي وضع التثقيف ذي الدلالة بشأن المحرقة والإبادة الجماعية في أفريقيا في إطار الذكريات التاريخية المألوفة ومناقشة أوسع لدرس من أهم دروس المحرقة: الثمن المؤلم للتعصّب. وهذه الذكريات تشمل التاريخ الخاص بتجارة الرقيق، ومشاركة الشيوخ الأفارقة والتجار فيها وإبادة جماعات عرقية معينة باسم التقدّم والتهدئة في أفريقيا تحت نير السيطرة الاستعمارية الأوروبية. وهذه الجرائم المنقوشة في الذاكرة الجماعية للأفارقة، نشأت من نفس التعصّبات الإنسانية وعدم المبالاة بحياة الإنسان والتي انحطت بإنسانية اليهود الأوروبيين وأسفرت عن محرقة اليهود.

ويعمل العون من الخارج على رفع الروح المعنوية. لكن في نهاية المطاف، حلول الإبادة الجماعية والأشكال الأخرى من أعمال القتل الجماعي في أفريقيا لا بد وأن تجيء من الداخل. ويعتَبر أفضل تعبير عن الاستقلال، هو مشاهدة الإنسان قادراً على حلّ مشاكله الخاصة، وليس بجعلها "مسؤولية" تقع على كاهل الآخرين.



أسئلة للمناقشة

 


العودة إلى قائمة المحتويات >>