ا
الأمم المتحدةمرحباً بكم في الأمم المتحدة. إنها عالمكم

سلسلة ورقات المناقشة

التثقيف بشأن المحرقة في جنوب أفريقيا

 

من إعداد
إتالي نيتس

مديرة مركز المحرقة والإبادة الجماعية في جوهانسبرغ، مؤسسة المحرقة والإبادة الجماعية في جنوب أفريقيا


التعريف بالمحرقة في جنوب أفريقيا أمر معقد. كيف تدرس الفظائع والآلام في بلد لديه عبء ثقيل من المعاناة الهائلة التي صنعها الإنسان؟ وقد كتب السياسي والكاتب الألماني ريتشارد فون فيزاكر ما يلي:

”ليست المسألة التغلب على الماضي. لا يستطيع المرء أن يفعل ذلك. فالماضي لا يتغير ولا يتبدد بأثر رجعي. إلا أن كل من يغمض عينيه عن الماضي لا يرى الحاضر. ومن لا يرغب في تذكر اللاإنسانية يصبح معرضا لمخاطر عدوى جديدة“. وتكلم الكاتب بطبيعة الحال عن ألمانيا كأمة وكيف أن ”أجدادهم أورثوهم تراثا ثقيلا“.

وفي عام 2007 أُدرجت المحرقة كجزء من المنهج الدراسي الجديد للتاريخ الوطني لجنوب أفريقيا. وجنوب أفريقيا هو البلد الوحيد في أفريقيا الذي يدرج هذه النماذج في مناهجه الدراسية وهذا يسمح بالعديد من الفرص التي يمكن أن يتيحها التعريف بالمحرقة للبلد. وعندما اعتُمد النهج الدراسي الجديد، أُدرجت المحرقة في كل من المناهج الدراسية للعلوم الاجتماعية والتاريخ للصفين التاسع والإحدى عشر. وقررت الإدارة الوطنية للتعليم تنفيذ منهج دراسي يشدد على موضوع حقوق الإنسان ويقوم على الدستور وشرعة الحقوق في جنوب أفريقيا. وتأثرت هذه الوثائق تأثرا مباشرا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وُضع بدوره كنتيجة للحرب العالمية الثانية والمحرقة. وقال أندريه كيت أثناء عمله في لجنة جنوب أفريقيا لحقوق الإنسان:

”هناك قبول واسع النطاق للمفهوم القائل بأن أحداث المحرقة مثلت انتهاكا من أشد انتهاكات حقوق الإنسان في تاريخ البشرية. واضطلعت الدروس المستفادة من هذه الجريمة ضد الإنسانية بدور واضح في وضع وتطوير حقوق الإنسان المعاصرة. ولذلك، وإلى جانب الكثير من الفظائع التاريخية والمعاصرة التي ارتكبت ضد حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم وفي قارتنا، لم يكن إدماج المحرقة في المناهج الدراسية مطلقا موضع جدل“.

ونظام التعليم بالمدارس الثانوية لجنوب أفريقيا مدته خمس سنوات من الصف الثامن إلى الصف الثاني عشر. وتشكل نهاية الصف التاسع موعدا لخروج الدارسين الذين يسمح لهم قانونا بترك نظام التعليم في نهاية هذه السنة. وحتى نهاية الصف التاسع، يعتبر تدريس التاريخ إلزاميا لجميع الدارسين. ومن الصف العاشر فصاعدا يطلب من الدارسين انتقاء 6 أو 7 مواضيع للدراسة يجري التركيز عليها، وهناك كثيرون لا يختارون التاريخ. وأدرج واضعو المناهج الدراسية عن قصد دراسة المحرقة في الصف التاسع حيث كان هدفهم إتاحة الفرصة لجميع الدارسين لتعلم هذا القسم الهام من التاريخ. وفي أعقاب هذا القرار، كان على المدرسين التعريف بالمحرقة في جميع المدارس في جميع أنحاء البلد. وكانت الساعات المقترحة لتدريس المحرقة 12-15 ساعة، وهي الجزء الأول من وحدة ’قضايا حقوق الإنسان أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها‘. وأعقب ذلك، في الفصل الدراسي الثاني، دراسة الفصل العنصري. ومن خلال تعرف الدارسين أولا على المحرقة ثم على الفصل العنصري يصبحون مجهزين بشكل أفضل لربط ذلك بقضايا عصرنا مثل الإبادة الجماعية في رواندا وكره الأجانب في جنوب أفريقيا (مدرج أيضا في المنهج الدراسي لهذا الصف).

وأنشئ أول مركز للمحرقة في جنوب أفريقيا في كيب تاون في عام 1999. وكان الدافع إلى إنشائه جوله استمرت 18 شهرا لمعرض جنوب أفريقيا وناميبيا ’آن فرانك في عالمنا‘ في الفترة 1993-1994. ولأول مرة في تاريخ البلد، أجري عدد من حلقات النقاش الخاصة عن تاريخ انتهاكات حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا كجزء من المعرض. وحضر المعرض الآلاف من مواطني جنوب أفريقيا من جميع الأعمار، وبخاصة طلاب المدارس الثانوية ومربيهم. وأتاح المعرض الفرصة للمربين للتعرف على معاداة السامية. وأعطت هذه المعرفة للمربين منظورا مفاده أن العنصرية ”لا تستند فقط إلى لون البشرة وأنه حتى ’البيض‘ يمكن أن يكونوا ضحايا للقولبة والتمييز والاضطهاد“. وكانت استجابة المربين غير عادية. وبيّن معرض آن فرانك الدور الذي يمكن أن يضطلع به التثقيف بشأن المحرقة في جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري بالنسبة لإثارة مسألتي التعصب والتعسف في استعمال السلطة. وفي سياق التاريخ المؤلم للعنصرية في جنوب أفريقيا أتاح إدراك أن الناس المصنفين على أنهم ’بيض‘ يمكنهم أن يعانوا أيضا بنفس المقدار على أيدي ’بيض‘ آخرين عمليات تعلم جديدة، وما زال يتيح ذلك. وينحو مواطنو جنوب أفريقيا إلى رؤية جميع انتهاكات حقوق الإنسان من خلال منظور ”الأبيض ضد الأسود“. والتعرف على المحرقة، باستخدام نفس المنظور ”البيض قتلوا البيض“، وفي رواندا حيث ”السود ذبحوا السود“، أمر بالغ الأهمية.

وفي عام 2008 جرى إنشاء مركزين جديدين من مراكز المحرقة في جنوب أفريقيا. أحدهما في دربان والآخر في جوهانسبرغ. وسيكون مركز المحرقة والإبادة الجماعية في جوهانسبرغ مقرا لمعرض دائم يركز على المحرقة والإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا في عام 1994. كما جرى في عام 2008 إنشاء جهاز وطني جامع ’مؤسسة جنوب أفريقيا للمحرقة والإبادة الجماعية‘ من أجل إيجاد تنسيق وتماسك أفضل عل الصعيد الوطني في مجال التثقيف بشأن المحرقة والإبادة الجماعية.

والنهج الذي اتبعته المؤسسة إزاء التثقيف بشأن المحرقة وتدريب المربين يستند إلى الاعتقاد بأنه رغم الأهمية البالغة لمحتوى المعرفة بشأن المحرقة ”فإن تزويد المربين والدارسين بالمحتوى فحسب لا يكفي. وينبغي إبلاغ كل من برامج المدارس والمربين بفكرة أن تاريخ المحرقة يقدم دراسة حالة إفرادية قوية لاكتشاف أخطار التعصب والتمييز ويلزم الأفراد بواجب أخلاقي لاتخاذ خيارات مسؤولة والدفاع عن حقوق الإنسان“.

ولمساعدة الدارسين على توسيع نطاق المحيط الأخلاقي الخاص بهم يتعين على المربين تطوير قدرتهم على أن يظلوا محايدين في غرف الدراسة. ومن خلال استجابات المربين يبدو أن التعريف بالماضي المؤلم للفصل العنصري مهمة صعبة وعاطفية. ولا يستطيع الكثير من المربين الفصل بين تاريخهم الشخصي وتاريخ المناهج الدراسية المطلوبة، وهم يجدوا أن التعريف بفترة الفصل العنصري أمر يزداد صعوبة. ولهذا السبب يشكل التعريف بالمحرقة، بوصفها دراسة حالة إفرادية لانتهاك حقوق الإنسان، مدخلا ممتازا لكل من المربين والدارسين؛ وقد حُذف هذا التاريخ من التجارب المحلية حيث وقع في بلد آخر وقارة أخرى منذ أكثر من 65 عاما، كما انه يثير مشاعر أقل لدى مواطني جنوب أفريقيا. ولهذه الأسباب يمكن لهذا التاريخ أن يجعل مواقف وتحيزات شخصية مثل العنصرية وكرة الأجانب تطفو على السطح بدلا من أن تظل مخفية. ولا يمكن معالجة هذه القضايا إلا عند الكشف عنها. وتبين نتائجنا أن من الأسهل أن يتعلم المرء قيما ودروسا أخلاقية من تاريخ حذف من خبراته رغم وجود بعض المقارنات بينه وبين تاريخ البلد. ويبدو من تعليقات المربين أن ”التعرف على المحرقة أوجد الفسحة العاطفية ليتكلم المربين صراحة عن خبراتهم“. ومع ذلك فبانتقال المربين أولا إلى التاريخ المتطرف للمحرقة كانوا أكثر استعدادا وقدرة على البدء في دراسة تاريخهم المؤلم.

وجنوب أفريقيا لديها تراث شفوي عظيم، واستخدام رواية القصص لاكتساب المعرفة والقيم والآداب والأخلاقيات يطرح نفسه بصورة طبيعية. و استخدام التاريخ الشفوي وشهادات الناجين والمرتكبين والمتفرجين والمقاومين يمكنه بث الحياة في محتوى المحرقة فضلا عن الدروس المستفادة منها. وفي أي دراسة عن المحرقة فإن العدد الضخم للضحايا يصعب إدراكه. ومشاركة شهادات الناجين مع الدارسين يمكن أن يذكرهم بأن هذه الأرقام وراءها أشخاص مثلهم، لديهم والدين وأشقاء وأصدقاء وجدود. واستماع الدارسين لشهادات الناجين وتعلمهم منها يساعدهم على إمعان النظر في مسألة الخيارات والارتباط بالدروس التي يمكنهم تعلمها من هذا التاريخ. ويدعو المنهج الدراسي أيضا إلى استخدام التاريخ الشفوي في غر ف الدراسة، ويجري تشجيع الدارسين على إجراء مقابلات على سبيل المثال مع الأشخاص في مجتمعاتهم المحلية والربط بينهم وبين حياة الدارسين الخاصة. والتاريخ الشخصي أداة هامة لتمكين الدارسين من النظر في حياتهم واستخلاص الدروس من قصصهم. وفي جنوب أفريقيا يوجد عدد قليل جدا من الناجين والمنقذين، كما أن ما بقي من شهود على هذا التاريخ يهرمون. ويمكن تعويض ذلك بنجاح كبير باستعمال الأفلام. وأنتجت مؤسسة جنوب أفريقيا للمحرقة والإبادة الجماعية فيلم الشهادة، حيث تشاطر خمسة من ضحايا المحرقة الذين استقروا في جنوب أفريقيا شهاداتهم بشأن المحرقة. وتبين أن الفيلم مصدر تثقيفي قوي جدا. وجرى إنتاج فيلم قصير آخر خلال زيارة لجنوب أفريقيا قامت بها الناجية هانا بيك - غوسلار التي تروي قصة المحرقة من خلال تصورات بشأن صداقتها مع آن فرانك. ويمكن أيضا استخدام الأدب بنجاح لسماع أصوات الشهود. كما يمكن استخدام ما يكتب في اليوميات أو مقتطفات من مذكرات مثل ’يوميات آن فرانك‘ أو أعمال إيلي ويزيل (’ليلة‘ على سبيل المثال) أو مذكرات بريمو ليفي ’إن كان هذا رجلا‘ كمصادر وأدوات رئيسية لتعزيز تقاليد سرد القصص.

ويمكّن التثقيف بشأن المحرقة الدارسين من الربط بين الماضي والحاضر وترجمة ذلك إلى نشاط اجتماعي. ويهيئ تدريس تاريخ المحرقة الفرصة للدارسين للتفكير مليا في نتائج الخيارات التي قد يواجهونها في حياتهم اليومية عن طريق فحص نتائج خيارات الأشخاص أثناء المحرقة. وتساعد الدراسة الإفرادية للمحرقة الشباب على الاستجابة بشكل أكثر فعالية لواقعهم الراهن. والأمل معقود على أن يتمكن الدارسون من الانتقال من معرفة ”ما ينبغي عمله“ إلى عمله بالفعل. وتوجد فرص أخرى قليلة جدا في المنهج الدراسي حيث يمكن للدارسين تعزيز معتقداتهم وتعلم كيفية القيام بعمل عن طريق فهم العوامل التي تعوقهم عن القيام به.

وفهم دور المتفرجين واختيار القيام بعمل أمر هام للغاية، وبخاصة في ديمقراطية فتية مثل جنوب أفريقيا. وجاب فان بروسديج، وهو منقذ هولندي (اعترفت به هيئة ياد فاشيم في القدس على أنه من الصالحين بين الأمم) أنقذ حياة عشرات اليهود في هولندا أثناء المحرقة وعاش في بريتوريا، جنوب أفريقيا حتى وفاته في كانون الثاني/يناير 2011. وعندما سُئل بروسديج ”لماذا فعلت ذلك“؟ أجاب بأن سأل: ”إذا رأيت رجلا يغرق، ألا تنقذه؟“. وكان هذا السؤال بالنسبة لبروسديج سؤالا بلاغيا. ولكن مما يؤسف له أن الإجابة ليست واضحة تماما بالنسبة للكثيرين. فمعظم الناس لن ينقذوا الرجل الغريق، سواء كان ذلك خوفا على حياتهم أو لمجرد تفكيرهم أن شخصا آخر يسبح بشكل أفضل منهم سيقوم بإنقاذه، أو عليه أن يفعل ذلك. وتشجع قصصا مثل قصة جاب فان بروسديج الدارسين على استخدام التفكير النقدي واستحداث أدوات للتعامل مع هذه المآزق الصعبة. ومرة أخرى، يمكن لتجهيز قضية الخيارات أن يمكن الدارسين، ويُجرى من خلال التعرف على أدوار المتفرجين والمنقذين والمقاومين (المناضلين). ومن المهم أن يتفهم الدارسين أن بإمكانهم أن يختاروا التصرف كمتفرجين أو لا يختاروا ذلك. وإدراك أن هناك خيار مسألة بالغة الأهمية. وقد كانت هذه هي الحالة خلال المحرقة، ولا يزال هذا صحيحا اليوم. وقال بريمو ليفي ”على الرغم من تنوع إمكانيات الحصول على معلومات فإن معظم الألمان لم يعرفوا لأنهم لم يريدوا أن يعرفوا. لأنهم بالتأكيد أرادوا ألا يعرفوا“. وفي الواقع، فقد قدم المتفرجون دائما المساعدة إلى المرتكبين بمجرد صمتهم. ومرة تلو الأخرى، وجد الدارسون أنفسهم، مثلهم مثل الباقين منا، في موقف المتفرجين الذين يقفون قريبا ولكنهم لا يشاركون فيما يحدث، ويشلهم الخوف أو الإحساس بالعجز. وأدرك الدارسون، بالتعلم من المتفرجين على المحرقة، أن سلوك المتفرجين هو اختيار عدم التدخل والوقوف جانبا والنظر. وعواقب هذا النوع من السلوك هي نفس العواقب، سواء في حالة التنمر في المدارس أو في حالة المشاجرة. ويمكن للدارسين البدء في الربط بين هذا المفهوم وبين المرحلة الأوسع نطاقا من تاريخ البلد أثناء الفصل العنصري. وأثناء أحداث الشغب المتعلق بكره الأجانب في أيار/مايو 2008، هيأ أحد المربين، الذين حصلوا على تدريب مكثف يتعلق بالمحرقة، الفرصة للدارسين، عند تعريفهم بالمحرقة، لعمل ملصقات ولافتات والتظاهر خارج المدرسة ضد هذه الهجمات. وترجم الدارسون الدروس المستفادة من المحرقة بأن يصبحوا هم أنفسهم مناضلين.

ومن الفرص الأخرى التي يتيحها التعريف بالمحرقة تسليط الضوء على الصلات بين مختلف حالات الإبادة الجماعية وانتهاكات حقوق الإنسان والتعصب. وفي نيسان/أبريل 1994 عندما كان مواطنو جنوب أفريقيا يحتفلون بتحررهم من الفصل العنصري وكان الناس يقفون بفخر في الطوابير لعدة ساعات للتصويت، قُتل الآلاف من التوتسي وبعض الهوتو المعتدلين سياسيا في فترة ثلاثة أشهر في رواندا في نفس القارة على بعد ثلاث ساعات ونصف طيران فحسب، إلا أن معظم المربين والدارسين لا ينظرون في هذين الحدثين الموازيين ولا يربطون بينهما. ويتيح تقديم المحرقة والدروس المستفادة منها الفرصة للقيام بهذا الربط.

ولخص رئيس الأساقفة الفخري ديزموند توتو، وهو أحد مناصري مؤسسة جنوب أفريقيا للمحرقة والإبادة الجماعية، الفرص التي يتيحها التعريف بالمحرقة في جنوب أفريقيا عندما قال:

”نحن نتعرف على المحرقة بحيث يمكننا أن نصبح أكثر إنسانية وأكثر دماثة وأكثر اهتماما وأكثر رحمة، ونقدر كل شخص بأن له قيمة مطلقة، ثمينة للغاية بحيث نضمن أن تلك الفظائع لن تتكرر مطلقا وأن العالم سيصبح مكانا أكثر إنسانية“.


أسئلة للمناقشة