ا
الأمم المتحدةمرحباً بكم في الأمم المتحدة. إنها عالمكم

سلسلة ورقات المناقشة

القانون كعامل للتعجيل بالإبادة الجماعية

 

من إعداد
إدافيد ماتاس

مستشار فخري أقدم لمنظمة بناي بريث، كندا ومحامي في وينيبيغ، كندا


في الرايخ الثالث، تخلل تواطؤ المهنة القانونية في الاضطهاد النازي هيئة المحكمة والادعاء، وحتى محاميّ الدفاع. وساعدت القوانين، ومن قاموا بدعمها، على إضفاء الشرعية على التعصب الغاشم وتيسير تهميش واستبعاد اليهود من المجتمع. ويثير هذا عديدا من الأسئلة التي تستحق التحقيق. ألم يكن هناك معيار دولي للأخلاقيات كان ينبغي للشرفاء من القضاة وأعضاء المهنة القانونية أن يتبعوه؟ ماذا كان سيحدث لو رفض أعضاء المهنة القانونية التعاون؟ ولِمَ لم يفعلوا ذلك؟ ما هو تأثير ذلك على المرتكبين؟

وهناك حالة من حالات معارضة ممارسات النازي قام بها القاضي لوثر كريسيغ من براندبرغ، ألمانيا، قد تقدم بعض الإجابات. فقد لاحظ القاضي كريسيغ، المكلف بحالات الوصاية، أن عددا من الموضوعين تحت وصايته من الأطفال والبالغين المتخلفين عقليا الموجودين في مستشفى محلية للأمراض العقلية، توفوا فجأة بعد نقلهم إلى بعض المؤسسات. واستنتج القاضي أنهم قتلوا على أيدي النظام النازي بموجب سياسته ”عملية القتل الرحيم“، وبعث برسالة إلى فرانز غورتنر، وزير العدل، للاعتراض.

ولما لم يحدث شيء، تقدم القاضي كريسيغ في تموز/يوليه 1940 إلى المدعي العام في بوتسدام بشكوى تتعلق بالقتل ضد فيليب بوهلر - رئيس كل من مستشارية هتلر وبرنامج النازي للقتل الرحيم. وبعد ذلك أصدر القاضي في آب/أغسطس أوامر زجرية ضد المستشفيات التي يوجد بها الأشخاص الموضوعين تحت وصايته، فأمرها بعدم نقل هؤلاء الأشخاص دون موافقته المسبقة.

واستدعى غورتنر، وزير العدل، كريسيغ إلى برلين وطلب منه التخلي عن جهوده. ورفض كريسيغ ذلك، وأمر غورتنر بإحالته إلى التقاعد المبكر( ). ولم يعان كريسيغ من أية عواقب أخرى؛ وتلقى المعاش التقاعدي الحكومي من الرايخ الثالث. وعاش كريسيغ حتى عام 1986.

وكتب إنغو مولر في كتابه عدالة هتلر: محاكم الرايخ الثالث:

”مهما حاول المرء أن يبحث عن رجال شجعان بين قضاة الرايخ الثالث، قضاة رفضوا أن يخدموا النظام من خلال هيئة المحكمة، فلا يزال هناك قاض واحد: لوثر كريسيغ“( ).

وأوزوالد روثاغ من النماذج المتطرفة لظاهرة معتادة بشكل أكبر، وهي ظاهرة الحقوقيين المناهضين للسامية. وقد حظرت القوانين العنصرية النازية، ضمن جملة أمور، العلاقات الجنسية بين اليهود والجنس الآري. وقُدم ليو كاتزنبرغر للمحاكمة في آذار/مارس 1942 بسبب إقامته علاقة مع إيريني سيلر. وقد أنكر كلاهما العلاقة ولم يكن هناك دليل على عكس ذلك سوى معرفة كل منهما بالآخر وكونهما أصدقاء. ومع ذلك فقد أدان القاضي أوزوالد روثاغ كاتزنبرغر وحكم عليه بالإعدام الذي نفذ في حزيران/يونيه 1942( ).

وقُدم أوزوالد روثاغ للمحاكمة العادلة في نورمبرغ بعد الحرب، وهي محاكمة 16 من أعضاء وزارة عدل الرايخ أو المحاكم الشعبية والمحاكم الخاصة. وأجرت المحاكمة محكمة عسكرية تابعة للولايات المتحدة في المنطقة التي تحتلها الولايات المتحدة من ألمانيا في نورمبرغ بعد استكمال المحاكمات العسكرية الدولية.

وأحد عناصر التهمة الموجهة ضد روثاغ بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إدارته لمحاكمة كاتزنبرغر. وأدين روثاغ في كانون الأول/ديسمبر 1947 وحكم عليه بالسجن المؤبد. وكتبت المحكمة العسكرية التابعة للولايات المتحدة في إدانة روثاغ:

”يتضح من الأدلة أن هذه المحاكمات [التي كانت محاكمة كاتزنبرغر إحداها] افتقرت إلى العناصر الرئيسية للمشروعية. وكانت جلسات المتهمين في هذه القضايا، على الرغم من المغالطات القانونية التي وُظفت، مجرد أداة في برنامج زعماء الدولة النازية للاضطهاد والإبادة“( ).

وأطلق سراح روثاغ في عام 1956 وتوفي في عام 1967.

وتضمن فيلم الحكم في نورمبرغ نسخة روائية من محاكمة روثاغ. وقامت جودي غارلاند بدور قائم على شخصية إيريني سيلر.

وتخلل تواطؤ المهنة القانونية في الاضطهاد النازي، الذي كانت محاكمة كاتزنبرغر مثالا له، هيئة المحكمة والمحاكمات. كما أدى هذا التواطؤ إلى اضطراب محاميّ الدفاع. واعتبر محامو الدفاع أنفسهم وكلاء الدولة وتحولوا بصفة روتينية ليصبحوا ضد عملائهم سعيا إلى تحقيق ما اعتبروه مصالح الدولة النازية( ).

ولم يقتصر الإفساد النازي للقانون على المجال الجنائي. فقد أصبح كل مجال من المجالات القانونية، بما فيها قانون العقود وقانون العمل وحضانة الطفل، مكانا لتطبيق الأيديولوجية العنصرية النازية.

كانت السياسات الألمانية ومجموعة القواعد والأنظمة التي تستهدف المرأة اليهودية بصفة خاصة مصدرا ثانيا للفروق الجنسانية.

وفضلا عن ذلك، فهذا الاستبعاد من خلال القانون لم ينحصر في ألمانيا النازية. ففي كل بلد غزاه النازيون، فيما عدا الدانمرك، جرى سن وإنفاذ قوانين عنصرية تستبعد اليهود من الأنشطة الاقتصادية( ).

ويسهل علينا أن نرى لماذا كان النازيين يريدون استخدام القانون لتعزيز أيديولوجيتهم العنصرية. وقد كانت الشمولية تعني السيطرة الكاملة، السيطرة على المهنة القانونية إل جانب جميع المهن الأخرى. إلا أن السيطرة النازية على المهنة القانونية كانت تعني ما هو أكثر من ذلك.

والقانون مسألة تنظيمية، وهو بيانات يعدها واضعو القانون لما يريدون للمجتمع أن يكون. ويحدد القانون المثل العليا للمشرعين. والخطاب القانوني هو خطاب بشأن ما ينبغي عمله.

وما كان استبعاد اليهود في الواقع من المجتمع إلا تعصبا وتمييزا. واستبعاد اليهود بالقانون من نفس ذلك المجتمع كان استبعادا على مستوى أعلى، مستوى معياري. وتشريع معاداة السامية كان تهميشا من حيث المبدأ وتجريدا من الإنسانية من الناحية الأخلاقية.

وفي الرايخ الثالث، قدمت مشروعية الاستبعاد تبريرا إضافيا لذلك الاستبعاد، مما عزز التهميش وجعله أكثر انتظاما. وقد أضفى القانون احتراما على التعصب الأعمى.

ومن الصعب تفسير الأسباب التي دعت المهنة القانونية إلى الموافقة على المحاولة النازية لإضفاء الشرعية على التعصب. وكريسيغ، وهو القاضي الوحيد الذي قاوم النازيين، كما سبق ذكره، لم يعاني أية عواقب أخرى غير الفصل مع الحصول على معاش تقاعدي. وكان ذلك نتيجة المعارضة الفعالة لهتلر في عام 1940، بعد انقضاء أمد طويل على اكتساب المشروع النازي زخما، وحتى بعد بداية الحرب العالمية الثانية. ولو كان القضاة والمحامين قد عارضوا مشروع النازي بقوة في السنوات الأولى من الرايخ الثالث لكان من المرجح ألا يتعرضوا حتى لهذا النوع من العواقب السلبية.

فلماذا لم يفعلوا ذلك؟ في ضوء ضآلة ما حدث للوثر كريسيغ من أجل مقاومته الشجاعة المتأخرة في الرايخ الثالث، لا يمكن أن تكون الإجابة أنهم تعاونوا لأنهم اضطروا إلى ذلك. ولا بد أن تكون الإجابة أنهم تعاونوا لأنهم أرادوا ذلك.

وكيف يمكن للمهنة القانونية أن تتخلى تماما وبصورة منهجية عن مثلها العليا؟ والتفسير بالنسبة للمحامين هو نفس التفسير بالنسبة لباقي المجتمع، تفشي معاداة السامية.

وفي ألمانيا، وكل مكان ذهب إليه النازيون تقريبا، أصبحت المعاداة الوحشية للسامية أخلاقيات غير رسمية. ولم يؤد تقيين هذه الأخلاقيات إلا إلى إضفاء الصبغة الرسمية على ما كان متفشيا بالفعل. ولم تقاوم الهيئة القانونية معاداة النازيين للسامية لأن حقوقيين كثيرين جدا كانوا معادين للسامية.

وقد يكون ثمة ما يغرى بالقول بأن إضفاء الشرعية على معاداة السامية لا يهم، وأن تنفيذ معسكرات الموت وفرق القتل المتجولة والحل النهائي والمحرقة لم يجر من خلال التشريعات وأوامر المحاكم. وبالرغم من ذلك، فتواطؤ المهنة القانونية كان هاما جدا بالفعل.

وإذا كان أعضاء المهنة القانونية قد أصروا منذ اليوم الأول للرايخ الثالث على الامتثال للعدالة والإنصاف وأصول المحاكمات وسيادة القانون، كان من الممكن وقف المشروع النازي قبل أن يتطور ليصبح بكامل طاقته. ولم يكن من الممكن حدوث المظالم الكبيرة إلا بسبب تسامح وتعاون المهنة القانونية والنظام القانوني فيما يتعلق بالمظالم الصغيرة.

وعند محاكمة روثاغ في نورمبرغ، دفع في طلب تخفيف الحكم عليه بأن أعداد من قتلوا نتيجة لقراراته لا تقاس إذا قورنت بأعداد من قتلوا على أيدي من قاموا بإدارة معسكرات الموت أو بتشغيل فرق الإبادة المتجولة( ). وقالت المحكمة في إدانتها له:

” أن قلة عدد من استطاع المتهم في إطار صلاحياته القضاء عليهم عن عدد من جرى القضاء عليهم في عمليات الاضطهاد الجماعي والإبادة الجماعية التي جرت على أيدي الزعماء الذين خدمهم لا يخفف من إسهامه في برنامج هؤلاء الزعماء. وأن أفعاله كانت أشد فظاعة لأن هؤلاء الذين كانوا يأملون في أن يجدوا الملاذ الأخير في مؤسسات العدل، وجدوا أن هذه المؤسسات انقلبت ضدهم وأصبحت جزءا من برنامج الإرهاب والقمع“.

والفشل في اللجوء إلى القانون يجعل الجرائم ضد الإنسانية أكثر رعبا. ويحق لضحايا الاضطهاد أن يتوقعوا أن يوفر لهم القانون الملاذ والسلامة والحماية. وعندما يشارك القانون في الاضطهاد يزداد الرعب من الاضطهاد.

وقد أتاح قانون الحقبة النازية استمرارية للماضي مما أخفى الطبيعة المفاجئة للتغيير الذي فرضه النظام النازي على ألمانيا والبلدان الأخرى التي ذهب إليها النازيون. والاعتماد على القانون جعل التمييز أيسر، ليس من جهة تحقيقه فحسب، بل من جهة محاولة القيام به أيضا. وهؤلاء الذين ترددوا إزاء التخبط في خطاب التعصب البحت تمكنوا من الاختباء تحت مظلة القانون.

وزود الاستبعاد من خلال القانون البلدان الواقعة تحت الحكم النازي بمظاهر متشابهة مع بلدان أخرى عمت فيها سيادة القانون، مما قدم للنازيين ستارا من الاحترام خلال ممارستهم للاستبعاد. وكان إضفاء الشرعية على الاستبعاد شكلا من أشكال خداع الذات للمرتكبين وتضليلا للغرباء غير المشاركين للتخفيف من اعتراضاتهم وتدخلاتهم.

وعندما قام النازيون بالاستيلاء على القانون وإخضاعه لخدمة أيديولوجيتهم للاستبعاد، قدموا ذريعة لذلك، وادعوا التحضر لتبرير بعض من أفظع التصرفات الوحشية التي شهدها العالم. وهؤلاء الذين لم يتمكنوا من تحقيق متعتهم اللاإنسانية بممارسة التعصب فحسب، وجدوا عزائهم في صلتهم بالتقاليد القانونية التي كانوا ملمين بها. وظهر لكثيرين من المطلعين والغرباء، على حد سواء، أن ما فعله النازيون لم يكن خطأ لأنه كان قانونيا.

ومن الجدير بالذكر أن لوثر كريسيغ، وهو القاضي الوحيد الذي عارض جرائم القتل النازية، فعل ذلك بلغة القانون. وفي رسالة الاحتجاج التي بعث بها كريسيغ إلى وزير العدل، دفع كريسيغ بأن أعمال قتل الأشخاص الموضوعين تحت وصايته غير قانونية من الناحية الموضوعية والإجرائية على حد سواء.

فمن الناحية الموضوعية، أكد كريسيغ عدم وجود أسس قانونية لقتل الموصى عليهم. ومن الناحية الإجرائية، ندد بغياب الفرصة لاستدعاء شاهد خبير وإمكانية الاستئناف.

وحاول غورتنر، وزير العدل، إقناع كريسيغ بأن ما حدث كان أمرا قانونيا لأنه حقق رغبة الزعيم، وهو ما كان مكتوبا في وثيقة أراها غورتنر لكريسيغ. وأكد كريسيغ وجهة النظر القائلة بأن رغبة الزعيم لا يمكن أن تمثل أساسا قانونيا لقتل الأشخاص الموضوعين تحت وصايته( ).

ومن ناحية، فالاعتراضات التي قدمها كريسيغ، القانونية لا الأخلاقية، تبدو شكلية، مما يشير إلى أن مجرد إدخال تغيير في القانون كان من شأن إلغاء اعتراضاته. ومع ذلك، فإن إصراره على المشروعية كان أكثر من مجرد إجراء شكلي. ومن ناحية أخرى، فقد أصاب فيما يتعلق بجزء صغير من الأخطاء التي كانت تحدث بالنسبة لانتهاك القانون.

وأصبح لدى مرتكبي هذه الجرائم شعورا بالحصانة من خلال القانون. ومع ذلك ففي نهاية المطاف، بعد الحرب، عندما مثل النازيون أمام محاكم نورمبرغ، رُفضت دفاعاتهم التي تستند إلى القانون المحلي، واعتقد الكثيرون ممن يملكون هذه الدفاعات بحصانتهم من الملاحقة القضائية لهم على أفعالهم لأنها كانت قانونية. وأدت المشروعية التي كانت سائدة في ذلك الوقت إلى منح المرتكبين ما تبين بعد ذلك أنه إحساس زائف بالأمان، إلا أن تلك المشروعية ساعدت وقت ارتكاب الجرائم على حشد الشركاء في الاستبعاد وتقويض المساعي الرامية إلى إبعادهم عن ارتكاب أفعالهم البشعة.

وفي بعض الأحيان يكون كل المطلوب لمنع الاعتداءات هو رؤيتها بوضوح كما هي. وقد منع قناع المشروعية الكشف بشكل واضح لا لبس فيه عن هذه الاعتداءات. وقد أدى هذا القناع إلى تعقيد الأمور والخلط بينها وتشويشها وجعلها غير واضحة لمن ليس لديهم أساس أخلاقي قوي يرشدهم إلى واجبهم.

وشكلت جملة، كنت أؤدي وظيفتي فحسب، عند تطبيقها على قانون الاستبعاد النازي أكثر من مجرد ذريعة، فقد أصبحت هذه الجملة وسيلة فعالة لإكمال الأعمال النازية القذرة. وإذا ما فصلت مهمة الاستبعاد عن تأثيرها على الإنسانية، وإذا كان يمكن تحويلها إلى مجرد مهمة تجريدية تقنية لأصبح القيام بها أسهل بكثير.

وقد أدى تقنين الاستبعاد إلى تنقيح المهمة وتخدير المرتكبين. وأصبح التصديق القانوني تقنية للتهرب. وبدلا من المواجهة والإحجام عن فرض المعاناة على البشر الحقيقيين، لم يفكر المرتكبون إلا في الأمور الدنيوية والتطبيق اليومي للشكليات القانونية. وقتل البشر الحقيقيين عمل دموي، إلا أن تطبيق الشكليات القانونية يمكن أن يبدو عملا لا تراق فيه الدماء.

ومن لم يعتقدوا أن ما كانوا يفعلونه صوابا لأنه كان عنصريا كان يمكنهم الاعتقاد، بل اعتقدوا بالفعل، أنه صواب لأنه قانوني. ووسعت المشروعية قاعدة المرتكبين بحيث تتجاوز المؤمنين الحقيقيين لتشمل الآلية الرسمية للدولة بأكملها.

وانتهاكات حقوق الإنسان وصمة تنتشر. والمهنة القانونية في ألمانيا النازية، بتواطؤها منذ البداية، أجازت الاستبعاد ونشرته وضخمته. وأصبح القانون في ألمانيا النازية لبنة أساسية للحل النهائي، وكانت المهنة القانونية من البناة.

ما هي الدروس التي يمكن استفادتها من هذه التجربة؟ أحد هذه الدروس أن المجتمع المدني يمكن أن يكون محرضا على عمليات التهميش ونزع الملكية والتجريد من الإنسانية والإبعاد. ولربما يعتقد المرء أن المهنة القانونية، بمثلها العليا عن العدل والمساواة والإجراءات القانونية الواجبة والإنصاف وسيادة القانون، ستكون صلبة في مواجهة هذا التحريض، إلا أن ألمانيا النازية بيَّنت أن الأمر لم يكن كذلك.

وقبل ألمانيا النازية كانت هناك معادلة بين القانون والتحضر. وإذا ما نظرنا إلى النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية الدائمة التي بدأت عام 1922 نجده ينص على ”مبادئ القانون العامة التي أقرتها الأمم المتحضرة“( ) بوصفها مصدرا من مصادر القانون الدولي. والقانون الدولي، وفقا للنظام الأساسي للمحكمة وضعته أمم متحضرة.

وبينما لم يقرر النظام الأساسي للمحكمة الأمم المتحضرة والأمم غير المتحضرة، فقد جرت صياغته في عصر كانت تعتبر فيه الدول الاستعمارية أمما متحضرة والدول المستعمرة غير متحضرة. وجملة ”أمم متحضرة“ كان مفهوما أنها تشير إلى دول قارة أوروبا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة( ).

وقد كانت المحرقة مميزة وغير مسبوقة وفريدة من منظورات متنوعة كثيرة. وكانت ألمانيا في وقت المحرقة ذات حضارة متقدمة من نواحي كثيرة، ليس أقلها تقديمها الفقه القانوني وفقه القضاء. وكانت ألمانيا قد بدأت تشهد تقاعس المشاركين في ثقافة قانونية كاملة التطور، القضاة مثلهم مثل أعضاء المهنة القانونية، باستثناء وحيد هو لوثر كريسيغ، عن معارضة جرائم النازي بوصفها أعمالا غير قانونية، بل وعلى العكس، استعدادهم للمشاركة بفعالية في تلك الجرائم.

وفي البلدان الواقعة تحت الحكم النازي، ارتكبت انتهاكات حقوق الإنسان بواسطة هياكل قانونية بارزة. وكانت تلك البلدان دولا مكرسة لانتهاكات حقوق الإنسان وقائمة على مبدأ انتهاكات تلك الحقوق. واستخدمت تلك البلدان القانون لتنفيذ البرنامج العنصري النازي.

وبسبب سلوك أعضاء المهنة القانونية في البلدان الواقعة تحت الحكم النازي، لا بد أن نفكر في القانون بطريقة مختلفة تماما. وقد بينت مشاركة هؤلاء الأعضاء في الجرائم النازية، بطريقة لا يمكن لفقه القضاء بمفرده توضيحها، الفصل الكامل بين القانون والأخلاقيات وبين القانون وسيادة القانون وبين القانون واحترام معايير حقوق الإنسان. وبيَّنت المحرقة أن الحضارة المتقدمة، وحتى الثقافة القانونية المتطورة، ليست دفاعا مقبولا عن أسوأ الجرائم التي عرفتها البشرية. والمشروعية والهمجية يمكن أن يسيرا جنبا إلى جنب.

وتُظهر الثقافة القانونية المتطورة لألمانيا في النصف الأول من القرن العشرين الطابع العالمي والأهمية المعاصرة للمحرقة. وقد يكون من المغري أن نقول عن السفاكين الآخرين في الأشكال الأخرى من الإبادة الجماعية أنهم لم يكونوا إلا همجا غير متحضرين. ولا يمكن أن ينطبق هذا القول على مرتكبي المحرقة.

وحتى في خضم المحرقة كان الكثيرون من أبرع الحقوقيين الألمان في ذلك الوقت ضمن أكثر المؤيدين حماسا. وتخبرنا المحرقة أكثر من أي مأساة أخرى بأن القانون وحده لا يمكن أن يحمينا من الشر.

وعلى العكس من ذلك، يمكن للقانون، كما حدث في حالة المحرقة، أن يساهم في تجريد البشر من إنسانيتهم. وساعدت القوانين والمحاكم، كما ساعد المحامون، عن طريق إضفاء مظهر المشروعية على استبعاد اليهود، على إضفاء الشرعية على هذا الاستبعاد.

ولم يستخف النازيون بالقانون فحسب، بل استخدموه. وثمة اتجاه، حتى في يومنا هذا، للتفكير في القانون بوصفه صديقا للمضطهدين، ودرعا واقيا أو دفاعا ضد سلطة الدولة. إلا أننا لو وجهنا اهتمامنا إلى القانون والمهنة القانونية في البلدان الواقعة تحت الحكم النازي، يمكننا أن نرى العكس تماما، فلا يمكن تعطيل القانون وتقويضه فحسب، بل يمكن للقانون أيضا أن يجعل من الدولة القمعية أكثر قمعا، ويشارك في الطغيان ويعززه بنفس القدر الذي يشارك به في الحرية ويعززها، كما يمكن أن يكون نذيرا بالإبادة الجماعية ومعجلا لها.


أسئلة للمناقشة