بيان صادر عن
مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان
يعتبر مبدأ عدم التمييز أساس مفهوم حقوق الإنسان.
و لهذا السبب وقع عليه الاختيار كشعار رسمي ليوم حقوق الإنسان، الذي يصادف كل عام ذكرى الاحتفال بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948. لهذا السبب و لأسباب أخرى، ينبغي على هذا الشعار أن يكون شعارا غير رسمي كل يوم، كل عام و لكل فرد.
من بين المواد الثلاثين الواردة في الإعلان العالمي، تتضمن 26 مادة عبارة "كل فرد..." أو "لا أحد...". ينبغي أن يتمتع كل فرد بكل ما له من حقوق إنسان، و لا أحد ينبغي أن يحرم من تلك الحقوق. يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، و ينبغي أن يعم مبدأ عدم التمييز.
نتوفر اليوم على مجموعة من اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية المعتمدة أساسا على مبدأ عدم التمييز. و من بين تلك الصكوك، نجد المعاهدات المعنية بحقوق الطفل و بالأشخاص ذوي الإعاقة و بحقوق الاجئين و العمال المهاجرين، كما ثمة معاهدات تهدف إلى القضاء على التمييز العنصري و على التمييز ضد النساء، إضافة إلى معاهدات تُعنَى بالعمل و بالصحة و بالعقيدة. و جاءت بعض الإعلانات الأممية الهامة المعنية بحقوق الأقليات و الشعوب الأصلية لتعزيز كل هذه الصكوك الملزِمة قانونيا.
تساهم الآلاف من القوانين و المؤسسات الوطنية و الإقليمية في تنفيذ مقتضيات هذه القوانين و الصكوك الدولية. و نجح إلى حد الآن عدد لا يستهان به من الدول في تعميم التعليم الابتدائي و عدد أقل من الدول في تعميم الخدمات الصحية الأساسية. و يدل هذان العاملان بشكل خاص على إمكانيات الإنسان الهائلة و على تطلعه إلى إيجاد عالم يتميز بالمساواة في الفرص و بالمساواة بين الجميع أمام القانون. و استفاد الملايين من البشر من نتائج هذا التقدم.
لكل شخص شيئ ما يقدّمه، و عندما نحترم التعددية، نساهم في إثراء مجتمعاتنا و في إعطائها عمقا إضافيا.
لكن التمييز لا زال شائعا.
تشتغل النساء ثلثي إجمالي ساعات العمل في العالم و تقمن بإنتاج نصف غذاء العالم، لكنهن لا تحصلن سوى على 10% من إجمالي المداخيل و تمتلكن أقل من 1% من ممتلكات العالم. و على الرغم من التقدم المحرز خلال القرن الماضي، لا زالت النساء و الفتيات تتعرّضن للتمييز بمستويات مختلفة في كل المجتمعات و بمستويات كبيرة في بعض المجتمعات. يتعرض عدد لا يحصى من النساء للاعتداء الجنسي و الجسدي، و لا تُفرَضُ على عدد كبير من مرتكبي تلك الاعتداءات عقوبات كافية بشكل يردع تلك الممارسة و يمنع من تكرارها في المستقبل.
و لا تزال العديد من الأقليات في كل مناطق العالم عرضة للتهديد الصريح، للتمييز و للعنصرية، و غالبا ما تُمنَعُ هذه الأقليات من التمتع بفرص المشاركة في الحياة الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و الثقافية المتاحة للأغلبيات في البلدان أو المجتمعات التي يعيشون بها.
ويتعرض لنفس التمييز حوالي 370 مليون شخص من السكان الأصليين الذين يمثلون 5% من إجمالي سكان العالم، لكنهم يشكلون 15% من سكان الأرض الأكثر فقرا، و غالبا ما يتعرضون للتهميش و للحرمان من الحقوق الأساسية كالحق في الأرض و الحق في الملكية، و كذا للمنع من النفاذ إلى الخدمات الأساسية.
يُمارَس التمييز العرقي و العنصرية في كل بقاع العالم، و لا زالا يعتبران من أبغض أشكال التمييز. و يمكن أن يؤدّيا، في غياب تحقيق بشأنهما أو إذا ما شُجِّعَ على ممارستهما، إلى الكراهية و إلى العنف، كما يمكن أن يساهما في نشوب نزاع دامٍ أو في وقوع جرائم ضد الإنسانية و عمليات إبادة.
و يمكن للتمييز المبني على أساس ديني أو عقائدي أن يؤدي إلى نفس النتائج المدمرة. في بعض البلدان، تُفرَضُ قيود على أفراد بعض المجموعات بشأن طريقة ممارسة شعائرهم الدينية أو العقائدية، كما قد يُحرَمُون من حقوقهم الأساسية. و في أسوأ الحالات يمكن أن تنجم عن هذه الممارسات أعمال عنف طائفية أو قتل أو نزاع. فالقولبة يمكن أن تؤدي إلى الوصم و إلى الانعزالية.
غالبا ما يتعرض اللاجئون و المهاجرون إلى التمييز حتى في البلدان المتقدمة، حيث يتعرض الرجال و النساء و الأطفال للاحتجاز خلال فترات طويلة دون ارتكابهم لجريمة، و يتعرضون بشكل عام للتمييز من طرف أصحاب الأملاك العقارية و المشغلين و دوائر الدولة، و للوصم و للتذميم من طرف بعض الأحزاب السياسية و وسائل الإعلام و بعض أفراد الرأي العام.
و تواجه مجموعات أخرى التمييز بشكل أقل أو أكثر حدة، و من بينها الأشخاص ذوي الإعاقة و عديمي الجنسية و المثليون و السحاقيات و أفراد بعض الطوائف و المسنون. و يمكن لبعض الأشخاص الانتماء إلى أكثر من مجموعة واحدة معرضة للنمييز، فيجدون أنفسهم كنتيجة لذلك ضحايا للتمييز على عدة مستويات.
و عادة ما يصعب على من لم يتعرض للتمييز أن يدرك المعاناة و الإهانة التي يحسّ بها ضحايا التمييز، كما يصعب عليه استيعاب تأثير هذه الممارسة على المجتمع بشكل عام.
يؤدي التمييز إلى غياب الثقة و الأمن و إلى الضغينة و إلى تزايد العنف و الجريمة، و يؤثر سلبا على الاقتصاد لأنه يُضعِفُ الإنتاجية. و لا نجد للتمييز أي أثر إيجابي على المجتمع، لكننا نواصل –جميعا، و بشكل افتراضي- ممارسته غالبا كرد فعل اعتدنا عليه دون الاكتراث لما نقوم به.
أود بناءا على كل ما سبق أن أشجع الأفراد، أينما وجدوا، من ساسة و مسؤولين و قادة اقتصاديين و مجتمع مدني و مؤسسات وطنية معنية بحقوق الإنسان و وسائل إعلام و وجوه دينية بارزة و أساتذة و تلاميذ، أدعو كل فرد إلى الاحتفال بيوم حقوق الإنسان لعام 2009 عن طريق احترام التعددية و الالتزام بأخذ قرارات ملموسة و مستدامة للمساعدة على وضع حدّ للتمييز.